في موضوع موسوم ب: “الفهم القانوني السليم للعلاقة الملتبسة بين مفهومي الاستفتاء وتقرير المصير بشأن قضية الصحراء الغربية المغربية”
الأستاذ : رضوان سند
نغوص في الموضوع مباشرة دون تطويل، واختصارا للطريق على القارئ الكريم، من خلال القيام بوقفتين مفاهيميتين من الناحية التأصيلية القانونية، حيث الوقفة الأولى تكون مع مفهوم الاستفتاء ثم الوقفة الثانية نخصصها لمفهوم تقرير المصير، لاستجلاء الالتباس الذي يكتنف العلاقة التاريخية بينهما وإماطة اللثام حسب الضرورة التحليلية الأكاديمية و ما يقتضيه المقام،على أن نتوقف في العنصر الثالث من هذا المقال عند تبيان مدى ملاءمة تكييف المفهومين القانوني مع الواقع الصحراوي الغربي المغربي محل النزاع المفتعل.
أولا: الوقفة الأولى مع مفهوم الاستفتاء
عند وقفة الباحث مع مفهوم الاستفتاء، فإنه يجده يتحدد قانونيا في كونه نوع من أنواع ممارسة الشعب للسلطة بطريقة ديمقراطية، عبر الرجوع إلى جمهور الناخبين أخذ رأيهم أو قرارهم في موضوع معين يعرض عليهم، أو بمشروع قانون يوافق عليه البرلمان. ولم تتم الإشارة بتاتا إلى آلية هذا الاستفتاء في أي نص مرجعي للأمم المتحدة متعلق بتقرير المصير، بما فيها ميثاق الأمم المتحدة؛ كما لم يربط في أي حال من الأحوال بين مبدأ تقرير المصير ومبدأ الاستقلال بل لم تتم الإشارة إلى الاستفتاء في العديد من القرارات الأممية بما فيها القرارات الصادرة عن الجمعية العامة، كالقرار رقم 1514 لسنة 1960، القرار رقم 1541 لسنة 1960، القرار رقم 2625 لسنة 1970.
ثانيا: الوقفة الثانية مع مفهوم تقرير المصير
عند وقفة الباحث مع مفهوم تقرير المصير، فإنه يتوصل إلى كون أساسه القانوني وارد بإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، الذي اعتمدته الجمعية العامة في 13 شتنبر 2007.، كما تطرقت إليه مجموعة من مقتضيات القانون الدولي في مواضع مختلفة وبنفس المضمون، كالقوانين الدولية التالية: المادة 1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ الصكوك الدولية الأخرى لحقوق الإنسان، الفقرة 2 من المادة 1 من ميثاق الأمم المتحدة، المادة 55 من الميثاق نفسه، و التي تعتبر هذا الحق للشعوب في تقرير مصيرها هو أحد مبادئ القانون الدولي الأساسية[1]. ولما كانت مقتضيات القانون الدولي لم تشر الى تحديد المدلول القانوني بدقة بخصوص المفهوم قيد الذكر، فإنه قد فتح مجال الصعوبة في وضع الفقه القانوني لتعريف واحد موحد، ومهما اختلف الفقهاء، فإن مدلول هذا الحق ينصب في قالب واحد، ألا وهـو تحرير الشعـوب من سيطرة الاستعمار، وفتح المجال أمامها للاستقلال والتحرر، وهذا وفـق الأطر الدولية.
فغياب تعريف شامل ومتفـق عليه دوليا لهذا الحق، هو الذي يكمن وراء وجـود التفسيرات المتباينة من جهة لأخرى، إذ تقدم كل دولة أو طرف وفق مصالحه، تفسيرا انتقائيا لهذا الحق، فالعـديد من حركات الشعـوب والأقليات المتواجدة داخل أطر الدول القائمة، تبرر مطالبتها بالحكم الذاتي وجدير بما فيها مملكتنا المغربية التي اقترحت الحكم الذاتي، لفائدة الجميع، كحل قانوني وسياسي سلمي، يعكس ديبلوماسية المملكة في توبها الودي الحكيم أو الفيـدرالية، وحتى الاستقلال استنادا لهذا الحق، وهو الشيء الـذي تنكره الحكومات، مما يؤدي إلى التوتر واستمرار دوامة العنف وتصعيد وتيرته، فضلا عما يرافقه من كـوارث إنسانية، وأحيانا تهديد للسلم والأمن الدوليين.
ثالثا: مدى ملاءمة التحديد القانوني للتقرير المصير مع واقع قضية الصحراء المغربية؟!
ينبغي لبحث إمكانية هذه الملاءمة من عدمها أن يكون الاتفاق بداية على:
· أن الشروط المحددة لتقرير المصير هي:
وجود سكان إقليم ما يكونون خاضعين لسلطة أجنبية؛ ثم وجود السلطة المسيطرة على الإقليم تكون مختلفة عن الشعب المقيم به في الهوية والثقافة والتركيب، إلى جانب وجود صعوبة العيش المشترك مثل: اضطهاد السلطة الأجنبية للسكان المحليين بسبب ِ العرق أو اللون أو الثقافة أو الدين؛ ْ التوفر على الإرادة لدى شعب الإقليم لنيل الاستقلال من نير الحكم الأجنبي.
· أن قضية الصحراء اصطدمت بتناقضات قانونية تأسست عليها مبادئ القانون الدولي العام منذ نشأته
و تتمثل في مبدأ احترام الوحدة الترابية للدول من جهة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها من جهة ثانية ، بل إن مبدأي السلامة الإقليمية للدول وحق تقرير المصير من المبادئ الأساسية في القانون الدولي، ويعتبران مكرسان بموجب ميثاق الأمم المتحدة، الذي جعلهما في مستوى واحد من الأهمية، خاصة التوصية الدولية التوصية الأممية رقم 1514 لسنة 1960، المشيرة في أحد مبادئها إلى “حظر استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد السلامة الإقليمية للدولة، أو استقلالها السياسي، أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة، والتي من بينها حق الشعوب في تقرير المصير”، على أن نسجل ملاحظة هنا، مفادها كون العلاقة بين المبدأين تعتبر -على الأقل نظريا- ذات صورة إيجابية وتكاملية حقيقة، لكن الممارسة الدولية كشفت في الآونة الأخيرة عن نشوء تعارض عند إعمال صناع القرار لتقرير المصير مع السلامة الإقليمية للدولة معا.
و بناء عليه، و التزاما بالشروط القانونية/ النظرية المذكورة أعلاه، وتفكيكا لملابسات التناقضات القانونية للقانون الدولي في النقطة المشار إليها أعلاه، فإني أرى أن التأكيد على أن تفعيل مبدأ تقرير المصير، على النحو المضمن في القرار 1514، يبقى مؤطرا بمبدأ أساسي ومهم جدا، وهو مبدأ عدم المساس بالوحدة الترابية للدول، و ضمن هذا المقام أرى في كون الملاءمة أمرا مستحيلا، بحيث من ضروب الخيال والاستحالة القبول بتقرير المصير بالصحراء، وذلك نظرا لعدة مبررات، منها كون الصحراء، لا تعد منفصلة جغرافيا عن المغرب، وهي امتداد طبيعي للمملكة، كما أن المكونات القبلية والإثنية لجهة الصحراء المغربية، هي نفس المكونات الموجودة في شمال المملكة، والقبائل في العيون والداخلة، هي نفسها قبائل سيدي إفني وطرفاية، بل وباقي سكان الصحراء المغربية، أضف إلى ذلك تدينهم بالديانة نفسها، التي يدين بها سكان سائر أنحاء المملكة، وهي الإسلام والعمل بالمذهب المالكي، فضلا عن اللغة العربية واللهجة الحسانية، اللتان يتم التحدث بهما في العيون والداخلة، كما في طانطان وأسا الزاك، وبالأحرى الثقافة الحسانية ، التي تعتبر تراثا مشتركا بين مناطق الصحراء ومناطق شمال المملكة، إذ يتم الاحتفاء بها وحمايتها، باعتبارها تراثا وطنيا في جميع أنحاء المغرب، حسب ما أشار إليه الدليل العملي الحكومي بشان الترافع حول مغربية الصحراء.
على أن نشير إلى أنه قبل فرض الحماية، بل قبلها بكثير، حصلت مصاهرات وتعايشات بين وسط المغرب والشمال مع الساكنة الصحراوية بأقاليم الجنوب المغربي، فضلا عن الزيارات و الرحلات من سلاطين المغرب، وهو خيار مغربي ترسخ منذ بداية الدولة المغربية ، وذلك لتفقد شؤون الرعية والقيام بأعمال تنموية بالإضافة إلى تقوية الروابط بين العرش والشعب.
وهكذا قام المولى إسماعيل مثلا برحلة إلى الصحراء ، وتزوج من أسرة صحراوية ، ورحلت معه زوجته إلى العاصمة مكناس آنذاك ، وأصبح الصحراويون مرتبطين برباط المصاهرة مع السلطان، و قد كان المغرب يتمتع بكامل السيادة على أراضيه مستقلا وموحدا، وكانت الصحراء تحت السيادة المغربية، كما لم يكن فيها أي كيان منفصل عن المغرب، بأي شكل من الأشكال. وقد كان سلاطين المغرب يمارسون سلطاتهم من خلال تعيين القياد وممثليهم الشخصيين، ويرسلون ظهائر لقبائل الصحراء، إضافة إلى روابط البيعة والولاء وتعلق قلوب القبائل الصحراوية بملك المغرب.
وقد قدمت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري في قضية الصحراء المغربية، وما تعلق بها من طلبات الخصوم بتقرير المصير، ونظرا لهذه الأهمية القصوى نورد خطابا لجلالة الملك المغفور له الحسن الثاني بشأن نهج الأسلوب الجديد القضائي الدولي المتمثل في التحكيم القانوني لمحكمة العدل الدولية الذي يرجحه على التحكيم السياسي الذي غالبا ما لا يكون نزيها، إذ جاء في كلمة أمير المؤمنين المرحوم الحسن الثاني بمناسبة عيد الأضحى المبارك: الموسومة ب: “التحكيم القانوني بنزاهة لا يترك أي حزازة في النفس” بالمرجع المتاح التالي: وزارة الاتصال، من أجل تحرير أراضينا المغتصبة: الصحراء، سبتة، مليلية، والجزرالجعفرية، 1974-1975، سلسلة دفاتر الصحراء المغربية، طبعة جديدة بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، نونبر 2015، الصفحة 107-108 ما يلي: (وقد قالت ولله الحمد المجموعة الدولية كلمتها، وقالت أن على المغرب وإسبانيا أن يذهبا أمام محكمة العدل الدولية حتى تقول كلمتها في الموضوع، وإننا إذ نحمد الله سبحانه وتعالى ونشكره نتوجه مرة أخرى إلى الحكومة الإسبانية، فنقول لها : إن المغرب وإسبانيا، كتب لهما أن مصرا الأمصار، وفتحا البلاد ونقلا الثقافات، وترجما الكتب، وساهما في بناء الحضارات، فلم لا تساهم إسبانيا والمغرب اليوم في سن خطة جديدة وفتح ورقة جديدة، في سجل المعاملات الدولية؟ ذلك أن تتحاكم معنا وبرضاها أمام المحكمة الدولية حتى نجعل من هذا سنة تتبع وطريقة يتمشى عليها لحل المشاكل بين الدول وبالخصوص مشاكل الحدود، إننا نرى اليوم أن كل مشكل الحدود لا يحل بكيفية قانونية، بل يحل إما بكيفية العنف أو على طريقة التحكيم السياسي، ولكن التحكيم السياسي لا يكون دائما نزيه. أما التحكيم القانوني هو الذي، بنزاهته، لا يترك أية حزازة في النفس ذلك لأنه لا ميل لدولة نحو دولة، ولا لصالح دولة، ولا ضد دولة، ولكن المحكمة تقول العدل، ولا تقول إلا العدل، فأقول إذن إلى إسبانيا التي تمشت وسارت بجانبنا منذ قرون، وكما قلنا بنت معنا البنيان، ومصرت معنا الأمصار وفتحت معنا البلدان، ونقلت معنا الثقافات وترجمت معنا الكتب والرسالات، لتأخذ بيدنا ونأخذ بيدها، ولنفتح معا وجميعا هذا السلوك الجديد، وهذه الطرق المبتكرة، حتى نساهم مرة أخرى، وجنبا إلى جنب، بنصيبنا في بناء أعراف جديدة تتمشى عليها الدول والأجيال المقبلة لحل مشاكلها قانونيا، دون أي اعتبار سياسي، حتى لا تترك أية حزازة في النفوس وحتى لا يندم أي أحد على ما وقع).
لهذا سأورد رأيها هنا لتوضيح مدى إمكانية تقرير المصير للصحراويين من عدم ذلك، فضلا عن تأكيدها على الهوية المغربية الصحراوية المشتركة.
فبعد أن تقدم المغرب بطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى الحكومة الإسبانية في 23 شتنبر 1974 والرامي إلى إحالة ملف الصحراء المغربية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، لتبدي رأيها الاستشاري بعلة أن رأيها لا يعتبر ملزما حسب المادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة، لا للأطراف، ولا الجهاز الذي طلبه ولا الدول في الأنواع والحالات المحالة من قبل الجهاز إلى المحكمة.
لتعزيز مطالبته بالحقوق التاريخية للمغرب على أقاليمه الجنوبية، والذي وافقت فعلا بشأنه الجمعية العامة عليه، وتفاعلت معه بالاستجابة محيلة إياه إلى محكمة العدل الدولية، التي عقدت 27 جلسة علنية، من 25 يونيو إلى غاية 30 يوليو 1975.
فإنه بعد ذلك تم تدارس سؤالين:
· هل الصحراء، غداة استعمارها من طرف إسبانيا، كانت أرضا بلا سيد؟
· في حالة الرفض، هل هناك روابط قانونية بين المملكة المغربية والصحراء؟
فحينذاك، أعلنت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري في 16 أكتوبر 1975 ، الذي أفاد في أن الصحراء إبان الاستعمار لم تكن أرض خلاء، وأنها تربطها روابط قانونية مع المملكة المغربية، من خلال وجود علاقة تربط الحاكم بالساكنة والإقليم، روحية، دينية لاسيما و انه له ما يعكسه من قبيل ما كان يصدر من أحكام وفقا للمذهب المالكي، بل السلاطين المغاربة كانوا حريصين على ذلك، فالسلطان مولاي الحسن نبه الطالب سيدي احمد بن محمد بالأعمش في ظهير توليته خطة القضاء بقبيلة ” تجكانت” إلى أن يتحرى في أحكامه ً ما جرى به العمل أو الراجح أو المشهور من مذهب إمامنا مالك، إلى جانب العلاقة الحاكمية بالساكنة ذات الطبيعة التشريعية والتدبيرية عبر بيعة قبائل المنطقة للسلطان، فرغم تقديم العديد من الوثائق من طرف المغرب، كتعيين قياد بالمنطقة وتوقيع اتفاقيات دولية مع إسبانيا وغيرها، خلصت المحكمة أنه غير كاف، كما هو مبين في الرأي الخاص بالصحراء الغربية، كرأي استشاري، في تقرير محكمة العدل الدولية، لسنة 1975، بالفقرة 94.
وإذا كان خصوم الوحدة الترابية قد حاولوا اللعب على صناعة الرموز الثقافية، في ظل تعدد واختلاف المكونات القبلية في منطقة الصحراء، مستغلين إياه، لإضفاء نوع من الشرعية والغطاء القبلي على رهان الانفصال، وذلك من خلال توظيف بعض القبائل والرموز بطريقة غير دقيقة وتعسفية -في بعض الأحيان- بغية تحريف الوقائع التاريخية وقلب الاحداث، والتشويه والطعن في انتماء بعض القبائل إلى منطقة الصحراء. إذ جرى في هذا السياق تصوير القبائل الوحدوية على أنها “قبائل غير صحراوية”، أو دخيلة من حيث الهوية والثقافة والامتداد القبلي، كما تم الطعن في هوية وانتماء بعض القبائل إلى منطقة الصحراء. وبالموازاة مع ذلك تم الترويج لبعض المغالطات والأحداث غير الدقيقة، من خلال تشويه الحقائق وبتر الوقائع والأحداث، ومحاولة وضع بعض الشخصيات الصحراوية -مثل ” بصيري محمد سيدي براهيم بصيري” و”الوالي مصطفى السيد” الذي توفي في ظروف غامضة- في خانة رموز أو معتنقي أطروحة الانفصال، وذلك بهدف استثمار واستغلال رصيده التاريخي والنضالي ضد المستعمر الإسباني لخلق “ذاكرة وطنية مفقودة” وتوظيفها في حرب الدعاية والبروباغندا الإعلامية ضد المغرب. بحيث حسب بعض الباحثين المتخصصين أنه رغم كون محمد بصيري من مواليد أزيلال وسليل “الزاوية البصيرية”، إلا أن الأطروحة الانفصالية حاولت أن تجعل من الانتماء إلى الصحراء مقدمة لخلق الاعتقاد بأن الأصول الصحراوية لهذه الشخصية تبرر وتشرعن الميولات الانفصالية، وإن كانت غير صحيحة، لاسيما أنه أسس منظمة الطليعية لتحرير الصحراء في إطار محاكاة “تجربة جيش التحرير”، ومحاولة تشكيل بدائل ميدانية جديدة لمواجهة إسبانيا، خاصة بعد القمع الذي تعرض له جيش التحرير خلال عملية أوكيفيون.
فالرأي الاستشاري جاء مفندا لكل أوهامهم وتحايلاتهم، حيث جاء خادما مغربية الصحراء، فلا يعقل أن يتم الاستنباط القضائي من الوثائق المسلمة من المغرب علاقة الصحراويين الثقافية، والدينية واللغوية، ومختلف وجوه الهوية المشتركة بسائر ساكنة التراب المغربي ككل بمختلف مقوماته الهوياتية، ثم يأتي خصوم القضية المغربية الوطنية، مطالبين بتقرير المصير، ضمانا للاستقلال، مما يمكن للباحث اعتبار تلك المطالبة، خارجة عن المعادلة المنطقية ومنحرفة عن منطق القانون و الاجتهادات التفسيرية القضائية، وليست لها أي مسوغات واقعية حقيقية، ملموسة و مقبولة، في ظل غياب شروط تقرير المصير التي أومأنا إليها أعلاه.
وللإشارة فإن هذا الرأي الصادر عن المحكمة أعلاه، بعدم كفاية ما تم تقديمه إليها من وثائق، قد أثر على تطبيق القرار (1514(XV المتعلق بتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية المغربية، وعلى الخصوص تطبيق مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحر والحقيقي عن إرادة سكان المنطقة. وبالمقابل، أيدت الجزائر، خلال ترافعها، الطرح الإسباني وهاجمت البيعة، التي هي أساس الحكم في المجتمعات الإسلامية، وطالبت بإجراء استفتاء تقرير المصير في الصحراء.
إلا أن الأمم المتحدة في شخص أمينها العام السابق “كوفي عنان” في تقريره إلى مجلس الأمن صرح بعدم استحالة تنظيم الاستفتاء، مشيرا إلى أن مجلس الأمن ألغى جميع الإشارات إلى الاستفتاء في كافة قراراته الـ 34 الصادرة منذ عام 2001.
وحاصل ما في القول،
أن المغرب سيشق طريقا آخر في تسوية النزاع- بعيدا عن عملية الاستفتاء، رغم تشبت الخصوم بها- معتنقا ما تبناه مجلس الأمن بصفة نهائية، منذ القرار الأممي (الأمم المتحدة رقم: (1541) ليوم 29 أبريل 2004)، العاكس لموقف المجتمع الدولي الرامي إلى إيجاد حل سياسي متفاوض بشأنه لتسوية قضية الصحراء، والذي لا يمكن إلا أن يكون سوى الحكم الذاتي الذي يعد حلا سياسيا استراتيجيا، واقعيا، عمليا، ودائما، لا غالب فيه ولا مغلوب، مع بصمة المغربية على الأقاليم الصحراوية الغربية المغربية بدون تعريض هذه البصمة لأي تشكيك أو سجال مرة أخرى، علما أن الأمم المتحدة لم تتمكن من إنجاز تسوية ودية سوى ثلاث حالات منها فقط، عن طريق الاستفتاء، من أصل 72 حالة.




