محمود حكميان*
لم يكن يوم السادس من سبتمبر يوماً عادياً في بروكسل، العاصمة الأوروبية التي تحولت لساعات طويلة إلى ساحة تجمّع كبرى لعشرات الآلاف من أبناء الجالية الإيرانية والأحرار من مختلف الدول. مناسبة الذكرى الستين لتأسيس منظمة مجاهدي خلق الإيرانية تحولت إلى ما يشبه الاستفتاء الشعبي في الداخل والخارج ضد نظام ولاية الفقيه، ورسالة مدوية إلى العالم أجمع بأنّ إرادة الشعب الإيراني لا يمكن كسرها مهما بلغت آلة القمع.
هذه التظاهرة المهيبة، التي شارك فيها أيضاً ممثلون عن شعوب أخرى تعاني من تدخلات النظام الإيراني، وعلى رأسهم أحرار من سوريا واليمن ولبنان، جسّدت بوضوح أن المعركة ضد هذا النظام ليست شأناً إيرانياً صرفاً، بل قضية إقليمية ودولية. لقد حمل المتظاهرون شعارات واضحة: لا لأي شكل من أشكال الدكتاتورية، سواء كانت دكتاتورية الشاه أو دكتاتورية الملالي، نعم للجمهورية الديمقراطية.
النظام يترنح… والمقاومة تتقدم
في الوقت الذي كان النظام الإيراني يحاول عبثاً عبر إعلامه ربط حضور السوريين في هذه التظاهرة بتنظيمات متطرفة مثل “تحرير الشام”، كشف ذلك عن عمق الرعب الذي يعيشه من وحدة صفوف المعارضة والشعوب المقهورة. فالحقيقة أنّ ما يخشاه الملالي ليس الخارج، بل الشعب الإيراني ذاته ومقاومته المنظمة التي أثبتت أنها الصوت الحقيقي والبديل الواقعي.
لقد ظلّ هذا النظام طوال عقود يستند إلى سياسة تصدير الأزمات وإشعال الحروب عبر ميليشياته في المنطقة. من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن، ومن الميليشيات العراقية إلى دعم النظام السوري. لكنّ التظاهرة في بروكسل أكدت أنّ هذه السياسة لم تعد تنطلي على أحد، وأنّ زمن التلاعب بالشعارات الطائفية والذرائع “الثورية” قد انتهى.
الاستقلال بدعم الشعب
ما ميّز تظاهرة بروكسل أنّها جاءت ثمرة جهد وتعب وجهود جماعية من أبناء الشعب الإيراني أنفسهم، سواء داخل البلاد تحت نيران القمع أو في المنفى. لم تموّلها حكومات أجنبية، ولم تُسندها قوى عظمى، بل كانت انعكاساً حقيقياً للمثل الشعبي الإيراني: «کس نخارد پشت من جز ناخن انگشت من» أي “لا يحك ظهري غير ظفري”. أي أن الحرية لا يمنحها أحد من الخارج، بل تُنتزع بإرادة أصحابها.
هذا المضمون تردّد في الهتافات، وتجلّى أكثر في كلمة السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، حين شددت بوضوح: «لا أريد سلاحاً، ولا أطلب مالاً، ما نحتاجه فقط هو دعم حق الشعب الإيراني في الحرية والسيادة». بهذه الكلمات وضعت رجوي النقاط على الحروف، وأكدت أنّ الرهان هو على الشعب، على نضاله وصموده داخل إيران وعلى وقوف الجاليات الإيرانية بالخارج في خندق واحد مع أهلهم في الداخل.
أصوات عالمية إلى جانب الشعب الإيراني
لم تكن التظاهرة حدثاً إيرانياً داخلياً فحسب، بل تحولت إلى منبر عالمي. فقد شارك سياسيون وبرلمانيون من مختلف دول العالم برسائل دعم واضحة، من بينهم مايك بنس، نائب الرئيس الأميركي السابق، ورئيس الوزراء البلجيكي السابق غي فرهوفستاد، إضافة إلى شخصيات أوروبية وأميركية أخرى. رسالتهم كانت واحدة: هناك بديل ديمقراطي جاهز، والمجتمع الدولي مطالب بالتخلي عن سياسة المسايرة والرهان على الشعب الإيراني ومقاومته.
لقد تكررت في كلماتهم إدانة سياسة “الاسترضاء” التي اتبعتها بعض الحكومات الغربية، والتي لم تجلب سوى المزيد من القمع داخل إيران، والمزيد من الحروب والدمار في المنطقة. واليوم، من بروكسل، ارتفعت الأصوات لتقول بوضوح: لا ثقة في هذا النظام، ولا أمل في إصلاحه؛ الطريق الوحيد للسلام والاستقرار يمر عبر تغييره جذرياً.
المنطقة لن تهدأ إلا بتغيير النظام
إنّ خطورة النظام الإيراني تكمن في أنه بُني منذ البداية على قاعدتين: القمع الداخلي، وتصدير الأزمات إلى الخارج. وإذا ما توقّف عن تدخّلاته الخارجية، سيواجه مباشرة مقاومة شعبية عارمة في الداخل تضع حداً لوجوده. لهذا يتمسك بإشعال الحروب وتمويل الميليشيات، معتقداً أنّ ذلك سيضمن بقاءه. لكنّ تظاهرة بروكسل أثبتت أنّ هذه الاستراتيجية وصلت إلى طريق مسدود.
فالغالبية الساحقة من الشعب الإيراني تقف ضد هذا النظام، كما أظهرت الانتفاضات المتكررة في الداخل، ويجد هذا الصوت صداه في الخارج عبر مثل هذه المظاهرات. ومن الواضح أنّ المنطقة بأسرها لن تعرف الاستقرار ما دام نظام الملالي قائماً. الحل ليس في المفاوضات النووية العبثية، ولا في صفقات مرحلية، بل في التغيير الحقيقي الذي يقوده الشعب الإيراني عبر مقاومته المنظمة.
وعد بالحرية
في ختام التظاهرة، كان الشعور الطاغي هو الثقة بأنّ المستقبل أقرب من أي وقت مضى. الحشود الضخمة، الشعارات الواضحة، الدعم الدولي، وخطاب مريم رجوي الذي شدّد على أنّ الشعب الإيراني قادر وحده على إحداث التغيير… كل ذلك رسم لوحة أمل حقيقية.
بروكسل كانت محطة، لكنها بالتأكيد ليست النهاية. كما قالت رجوي نفسها، إنّ وجهة العام القادم يجب أن تكون طهران، عاصمة إيران الحرة. وفي هذا الوعد يكمن الأمل الأكبر: أن ينهض شعب إيران، مدعوماً بمقاومته المنظمة وأحرار العالم، ليطوي صفحة الاستبداد الديني، ويفتح باب الحرية والعدالة والديمقراطية.
*عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية




