قِمّةٌ ولكن.. سِيادةُ الدَم الفلسطينيّ لمْ يكن حاضرًا

 

محمد عزت علي الشريف

هي إذَن..

“قِمةٌ للحَجَرِ.. لا للبَشَر” تلك التي انعقدت في الدوحة مؤخراً ردّاً على العدوان الصاروخي الغادر الذي استهدف الدماء الذكية لقادة المقاومة الفلسطينية خلال اجتماعٍ موعودٍ بينهم؛ أقل ما يوصفُ به أنه كان من أجل التفاوض على السلام و وقف نزيف الدم على الأرض وليس إراقته وإهداره!.

لقد كان القادة السياسيون الفلسطينيون وقتئذ إنما يمثلون باجتماعهم هذا حَمَاماتِ سلامٍ جاءت إلى الدوحة من كل حَدبٍ وصوب، ومَمْشَى ودرب؛ للتباحث والتشاور بشأن مفاوضاتٍ مطروحةٍ من أجل إيقاف الحرب وصَونِ النفس والعِرض، وفكّ أسرها من الحبس، ومن إسار الجوع والتعطيش، والتهجير والإخراج من الأرض.

ولكن الذي حصل أن الصهاينة الذين هم أحد الأطراف المعنية بالصراع راحوا ينساقون وراء فكرة شيطانية لضرب شركاء المفاوضات ورُسُل السلام المجتمعين؛ المجتمعين بعلم وترتيب ومتابعة وسطاء المفاوضات من القطريين والمصريين والأمريكان.

ولقد قُتل مَن قُتل إلى رحمة الله، ونجا مَن نجا بفضل وتدبير الله.

وما أغربَها حقاً من ردود أفعال أولئك الذين يمثلون وسطاء المفاوضات ورعاتها:

فأمريكا بدت مرتبكة ومتخبطةَ في تصريحاتها؛ فمرة تنفي عِلمَها المُسبق بالضربة الإجرامية وتلك مصيبة، ومرة تُقِرّ به، وتلك مصيبة أفدح!.

أما دولة قطر فأول ما اتجهت بعد الضربة الصاروخية اتجهت صوب أمريكا؛ رغم أن هذا العدوان ما كان ليحدث لولا الضوء الأخضر الأمريكي، ثم إن من المفروض أن تكون أمريكا في خندقِ حمايةٍ واحد مع قطر التي يوجد على أرضها أكبر قاعدة عسكرية أمريكية خارج أمريكا، لكن قطر بدت حريصة على استجداء الطمأنة الأمريكية أكثر من حرصها على تلقّي الدعم والمساندة من أشقائها العرب والمسلمين وأصدقائها في العالم، وثم اتجهت من بعد أمريكا صوب محيطها العربي والإسلامي وطلبت عقد قمة عربية إسلامية لبحث سبل الرد على العدوان، واستجابت قيادات تلك الدول للدعوة ولكن لم تستجب للرد الحقيقي على العدوان لا نظرياً ولا عملياً.

مجرد حفلات كلامية طوال زمن عقد القمة وفي النهاية جاء البيان الهزيل الذي صاغته – على ما يبدو – أمريكا نفسها وأمْلته على المُتَنَفِّذين من الدعاة والراعين لهذه القمة!.

حفلاتٌ كلامية لكل أولئك القادة المشاركين في القمة العربية الإسلامية الذين ذكرت الإحصائيات أن أكثر من نصفهم هم في الأصل معترفون بإسرائيل قانونيّاً وواقعياً..

وسأكتفي من كل الهُزال والهذيان الذي جاء في البيان الختامي للقمة بأن أُعلِّق على جزء من الفقرة(4) فيه وقد جاء نَصّها كالتالي:

(إنّ مثل هذا العدوان على مكان محايد للوساطة لا ينتهك سيادة دولة قطر فحسب، بل يُقوض أيضاً عمليات الوساطة وصنع السلام الدولية.)

تَأمّلُوا معي كيف أنّ البيان الهزيل هنا يُقرّ بأن حيثية إدانة العدوان الغادر هي كونه عدواناً على مكان بعينه وليس لكونه عدواناً على أشخاص بذواتهم!؛ بمعنى أن هؤلاء الأشخاص الفلسطينيين المستهدفين لو تم استهدافُهم بالعدوان في أيّ مكان آخر فإنه لا ثمة جريمة في ذلك حسب بيان قادة جامعة الدول العربية ومنظمة العمل الإسلامي!.

أنا هنا لن أُفتي من عندياتي ولن أُصدر أحكاماً من بنات أفكاري ولكني سأُذَكِّر قادة القمة المجتمعين و معهم ملياري مسلم من رعاياهم؛ أُذَكِّرُهم بحديث نَبِيِّهم ورسول الإسلام الأعظم محمد عليه الصلاة والسلام وهو يقول: ” لَهَدْمُ الكعبةِ حَجَرًا حجَرا أهون على الله من قتل امرئٍ مسلم” والمسلم هنا بالمعنى الواسع هو مَنْ سَلِمَ مُسالِموه من لسانه ويده، وفَهْم هذا الحديث وحده كفيل أن يعيش في كنفه كل المسالمين في العالم في سلام وأمان، ولا قداسة لكيان أسبق من قداسة دم الإنسان.

أَعجَبُ لِأولئك القادة في حفلتهم الكلامية وقد أخذوا يرددون عبارات من مثل نرفض الاعتداء على كذا وكذا من مكونات امارة قطر المادية والاعتبارية، ولم يذكر أحدٌ منهم رفضَه لمحاولات قتل الإنسان المسالم في أي مكان كان!.

إن قادة دول العالم العربي والإسلامي بهكذا مواقف غير حكيمة قد أعطوا إيحاءً قوياً لقوى العدوان بإمكانية قتل قادة المقاومة الفلسطينية على أيّ أرض أخرى غير قطر دون أيِّ مُساءلةٍ أو رَدّ فِعل رافض أو شعورٍ غاضب!.

لقد بدا قادة القمة وكأن ليس في أيديهم شيء يضغطون به على الكيان الصهيوني المعتدي، رغم أن هذه ليست حقيقة، بل الحقيقة هي ما ذكرته آخر الإحصائيات من أن أكثر من نصف القادة المجتمعين يعترفون قانونياً وواقعياً بإسرائيل، ويمكنهم – على الأقل – التلويح بسحب هذا الاعتراف.

كما أن حجم التبادل التجاري بين عدد من دول منظمة التعاون الإسلامي وإسرائيـل يصل إلى حوالي 19 مليار دولار ، تتصدّرها في التجارة مع إسرائيل تركيا، تليها الإمارات العربية ومصر والاردن والمغرب وأذربيجان وكازخستان.

إذن؛ فالعرب والمسلمون لديهم أوراق ضغط سياسية واقتصادية، وحتى عسكرية إذا ما لوحت الحكومات التي بينها وبين الكيان المحتل معاهدات سلامٍ بإمكانية فكّ الارتباط بتلك المعاهدات.

لا أدري لِمَ الاستضعافُ العربي والإسلامي أمام الكيان الاسرائيلي، حتى لو كانت في ظهره أمريكا؟! فأمريكا اليوم أضحت تُمثل اليد السفلى القذرة وهي تَسْتَعطي – بالترغيب وبالترهيب – عرب النفط بين حين وحين – حتى أنها في جولة واحدة استطاعت أن تَبْتزَّهم في 5 تريليونات دولار!.

ولولا تلك العَطايا السخية ما تجرّأت أمريكا على التهديد بالحرب في كل مكان دون حَمْل هَمّ أيّ نفقات اقتصادية، أو تبعات عسكرية.

بل إن مردود تلك التريليونات الاقتصادي هو ما يجعل أمريكا قادرة حتى الآن على مواصلة ضَخّ كل تلك المساعدات العسكرية للكيان المحتل من أسلحة وذخائر ومعدات.

ثم أنّي لا أرى مُبرِّرًا لكل تلك الدول من الخشية العسكرية من جيش هذا الاحتلال المهزوم طوال عامين من شعبٍ أعزلَ من كل شيءٍ غير إيمانه بربه وبقضيته.

إن ضعف الموقف العربي والاسلامي إزاء إسرائيل ومن خلفها قوة كأمريكا حتى لو كان مبرَّرًا – إلى حدّ ما – إذا ما تحدّثنا على مواجهة اسرائيل ومبارزتها بالقوة العسكرية والسياسية والاقتصادية؛ إلا أنّ الشيءَ غيرَ المُبَرَّرِ هو أن تقف كل تلك الدول العربية والإسلامية عاجزةً، وصامتة حتى عن التناصُح فيما بينها بشأن تقديم الدعم الماديّ والمعنوي لأهل غزة وفلسطين وجماعات المقاومة على الأرض السليبة المُغْتَصَبة!.

وأعجبُ ما عَجِبْتُ له في تلك القمة أنْ تأتي وقد خلت من أيّ صوتٍ يُعبِّر عن أبطال تلك القصة الذين تم استهدافُهم بكل تلكم النيران والبارود ولم يُتَحْ لهم في تلك القمة التعبيرُ عن أنفسهم – حتى – ولو بالصراخ!.

بل؛ ولم يكن صوتٌ في تلك القمة للعُزلِ المَحارَبين المُلاحَقِين بالقتل والأسر والطرد والتهجير من أهل غزة المغدور بهم و هُمُ هُمُ لا غيرهم أصحاب الأرض، وحَمَلةُ لواء الحقّ؛ في زمن خلا من كل ماعدا النذالة والدِيَاثةِ، والغدر والقهر، والظُلمِ والخيانة.

(أديب وكاتب رأي مصري)

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني