بقلم ھاني المختار
في إحدى اللحظات التي يلتقي فيها الماضي بالحاضر، التُقطت صورة جمعت المدير الحالي لإدارة أملاك الدولة السيد محمد الخرمودي بالمدير السابق السيد خالد القادري، الرجل الذي قاد هذه المؤسسة الحساسة بين سنتي 1976 و1993، حين كانت تُعرف بعدُ بـ “إدارة الأملاك المخزنية”. صورة في ظاهرها لقاء ودي بين جيلين، لكنها في جوهرها مشهد تختزل فيه ذاكرة وطن ومسار إدارة ارتبط تاريخها منذ الاستقلال بمفهوم السيادة.
فمنذ اللحظة التي استعاد فيها المغرب حريته سنة 1956، وجدت الدولة نفسها أمام مهمة جسيمة: تحرير الأرض كما تحرر الإنسان. وهنا نهضت الأملاك المخزنية بدور بطولي؛ إذ أشرفت على استرجاع العقارات التي اغتصبها الاستعمار الفرنسي والإسباني، وأعادت ربطها بجسد الوطن، كما تولت مهمة لا تقل جسامة: مصادرة ممتلكات الخونة وعملاء الاستعمار ممن باعوا ضمائرهم لقاء مصالح زائلة. لقد كانت تلك السنوات مرحلة تطهير مزدوج: تطهير للتراب الوطني من بقايا المستعمر، وتطهير للذاكرة الجماعية من آثار التواطؤ والخيانة.
في خضم هذه اللحظة التاريخية، برز اسم خالد القادري، ليس فقط كمسؤول إداري بصم على مرحلة مفصلية من حياة المؤسسة، بل أيضاً كصوت مؤرخ وباحث حرص على أن يودع الذاكرة الوطنية مرجعاً ثميناً. ففي سنة 1989 أصدر مؤلفه المرجعي “الأملاك المخزنية، معلمة المغرب”، الجزأ الاول وهو مؤلف جسّد رؤية عميقة لدور هذه الإدارة في حماية السيادة، وبيّن بالأدلة والوثائق كيف ظلت الأرض في قلب معركة بناء الدولة المغربية الحديثة. واليوم، يُنتظر أن يُدلي القادري بشهادة حيّة عن تجربته ما بين 1976 و1993، شهادة ستكمل ما سطّره قلمه قبل عقود، وتفتح نافذة على أسرار مرحلة لم تُروَ بعد بكامل تفاصيلها.
ولعل ما يضفي على هذه اللحظة قيمة إضافية هو أن القادري ابن الوطني الكبير أبو بكر القادري، أحد الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال يوم 11 يناير 1944. هكذا تتقاطع سيرة الأب المقاوم الذي حمل همّ الحرية، مع سيرة الابن الإداري الذي حمل عبء البناء، في تجسيد بليغ لاستمرارية الوطن عبر الأجيال.
أما اليوم، وقد انتقلت الإدارة من زمن التحرير إلى زمن البناء و الحكامة الرشيدة، فإن أملاك الدولة لم تعد مجرد إدارة لتدبير الملك العمومي، بل أصبحت رافعة للتنمية وذراعاً أساسياً في تشجيع الاستثمار وتوفير العقار للمشاريع الكبرى التي تشهدها المملكة، من موانئ ومناطق صناعية إلى مشاريع سياحية وعمرانية كبرى. إنها إدارة أعادت تعريف نفسها مع الزمن، فبعد أن كانت أداة لتدبير الرصيد العقاري للدولة و استرجاع للأرض المغتصبة، صارت خزّاناً استراتيجياً يمد أوراش التنمية بما تحتاجه من رصيد عقاري.
تلك الصورة التي جمعت بين الخرمودي والقادري إذن، ليست مجرد لحظة بروتوكولية، بل مرآة تعكس قصة المغرب في نصف قرن: من معركة التحرير إلى معركة التنمية، ومن وثيقة الاستقلال إلى الكتاب المرجعي الذي أرّخ للأملاك المخزنية، وصولاً إلى شهادة مرتقبة ستضيء تفاصيل مرحلة فاصلة. إنها صورة تقول بصمتها ما لا يقوله الكلام: إن الأوطان تُبنى بالذاكرة كما تُبنى بالمشاريع، وأن الأرض، التي كانت يوماً رهينة استعمار، تحوّلت اليوم إلى ركيزة سيادة، ومجال استثمار، وجسر نحو المستقبل.




