شهدت عدة مدن، اليوم السبت 27 شتنبر 2025، موجة احتجاجات وتجمعات رفع منسوب الغضب الاجتماعي حول قضايا الصحة والتعليم والخدمات الأساسية.
القوات العمومية تدخلت لمنع انزلاق هذه التحركات نحو الفوضى، ونجحت في تفريق مجموعات حاولت تحويل الاحتجاج إلى مناوشات واضطراب عام. هذا التدخل كان ضرورياً لحماية الممتلكات والحفاظ على النظام العام.
ولكن لا يمكن فصل هذه الصورة عن السياق الاجتماعي والسياسي الذي أنتجها. أزمة الصحة العمومية لم تكن وليدة الصدفة؛ فضائح المستشفيات، وشكاوى المواطنين من نقص التجهيزات والأطر الطبية، وكذلك الاحتجاجات والاضرابات المتكررة للمهنيين في القطاع، كل ذلك شكل أرضية خصبة للسخط الشعبي الذي ظهر اليوم في الشارع. توجد تقارير وتحركات متواصلة تفضح هشاشة المنظومة الصحية وتدعو إلى إصلاحات حقيقية.
على منوال ذلك، يشهد قطاع التعليم توتراً تصاعدياً: إضرابات ومطالب متكررة من الأطر التربوية وإدارات المدارس، احتجاجات على أوضاع البنية التعليمية والموارد البشرية، وكلها عناصر تزيد من شرخ الثقة بين المواطن والمؤسسات العمومية.
وهذا المزاج الاجتماعي ليس وليد مصنع شائعات؛ بل نتاج تراكم إخفاقات على مستوى السياسات العمومية المتعثرة والتأخر في الاستجابة للمطالب المعيشية من طرف الحكومات المتعاقبة.
من هنا يأتي النقد الأكثر حرارة لحكومة عزيز أخنوش: فبدلا من أن تُقابل المطالب الشعبية بمبادرات إصلاحية واقعية وسريعة، تراها تعيد إنتاج لغة التأجيل والبروتوكول، وتنجح أحيانا في معالجة صورة إعلامية دون معالجة جذور الأزمة.
الجمهور بات يشعر أن وعود حكومة أخنوش للإصلاح تتحول إلى «حبر على ورق»، وما أن تنتهي المؤتمرات الصحافية حتى يعود الواقع إلى ما كان عليه.
وهذا الإخفاق الحكومي هو ما يجعل الشارع يغلي، ويمنح مناصري التصعيد ذريعة لاحتلال المساحات العامة.
تدخل القوات العمومية لحفظ النظام والأمن العام مشروع ومطلوب تفاديا لحدوث أي اضطراب، لكن ذلك لا يعفي الحكومة من مسؤوليتها الأساسية في معالجة الأسباب البنيوية للاحتجاجات: تحسين الخدمات الصحية، تأهيل المستشفيات، زيادة القدرات البشرية والمادية، إصلاح القطاع التعليمي، والاستجابة لمطالب المجتمع المدني والمستخدمين.
حماية الاستقرار اليوم تعني أيضا إطلاق برامج إصلاحية ملموسة غدا.
الرسالة إلى المواطن المغربي واضحة: إنكم مخولون بالدفاع عن استقرار وطنكم، وفي نفس الوقت مخولون بمحاسبة من أوصل البلاد إلى هذا الاحتقان. واللغة الديمقراطية الفعالة هي صناديق الاقتراع والمؤسسات الرقابية، وليس الخروج إلى الشارع الذي قد يتحول إلى ساحة للمناوشات تصب في مصلحة الفوضى.
وإذا كان هناك من يستحق أن يُحاسب اليوم فهو رئيس الحكومة ومن يشارك معه فيها من أحزاب، لأن إفلات الملفات الاجتماعية من المعالجة هو الذي يخلق ما نراه من احتجاجات متكررة.
خلاصة القول، يجب أن تكون مقاربة الدولة مزدوجة الحزم والإنصاف — حزم أمني لوقف أي محاولة تخريب، وإنصاف سياسي واجتماعي بإطلاق إصلاحات جادة في الصحة والتعليم وسياسات اجتماعية تقلص الهوامش التي يستغلها المثيرون للفتن.
وإلى حين ذلك، على المغاربة أن يحولوا غضبهم المشروع إلى قوة ضاغطة في الانتخابات وفي الميادين المدنية المؤطرة، لا إلى وقود ينفخ النار في لهيب هشاشة السياسات العمومية.
باختصار شديد، أخنوش وحكومته هم السبب المباشر في هذا الاحتقان، وعلى المغاربة أن يتذكروا جيدا أن الحل ليس في مواجهة القوات العمومية التي تقوم بواجبها، بل في معاقبة هذه الحكومة في الانتخابات المقبلة. تلك هي اللغة الوحيدة التي يفهمها من اعتادوا شراء الوقت بالوعود، والجلوس على كراس وثيرة بينما الوطن يشتعل بالأسئلة المؤجلة.




