يبدو أنّ شجرة النظام الإيراني التي ظنّ أصحابها أنّ جذورها الضاربةُ في عمق الأرض قد بدأت تذبل لا لقلّة ماءٍ فحسب بل لأنّ الساقي الذي اعتاد أن يمدّها بالحياة ربما قد يفكر في أن يرفع يده عنها.. فالغرب الذي طالما لعب دور المموّل والوسيط والضامن لبقاء نظام ولاية الفقيه قد لا يرى اليوم رغم فداحة الموقف مصلحة في زوال نظام الملالي حتى وإن تغيّر المزاج الدولي، وتبدّلت تكتيكات العواصم الكبرى وصار النظام الإيراني عبئًا أكثر مما هو ورقة مساومة وصانع أزمات، ورغم انكشاف أوراقه وافتضاحه أمام الجميع ورغم كونه نظاماً يشيخ سياسيًّا ويتآكل من داخله ويُثقل المنطقة كلّها بصراعاته ودمويته وعبث أذرعه إلا أنه لا مصلحة للغرب في زواله فهو غير معني بأزمات الشرق الأوسط وطموحات شعوبه؛ لكنه قد يتناغم إعلامياً مع حراك هنا وهناك من الناحية التكتيكية فقط، ويبقى بحاجة لأزماتٍ تخدم مصالحه ومخططاته.
أدرك الغرب، بعد عقودٍ منذ البداية أنّ مشروع حكم الملالي ليس حليفًا يمكن الوثوق به، ويعلم أنه مشروع توسّعٍ عقائديٍّ مموّهٍ بشعاراتٍ دينيةٍ زائفة إلا أن أضراره لا تصنع أزمات في الغرب بل في الشرق الأوسط وهو المطلوب وفقاً لإستراتيجية الغرب.. كذلك لم يعد خافيًا على أحد في المنطقة والعالم أنّ النظام الإيراني بنى وجوده على صناعة وتصدير أزماته إلى الخارج بمباركة الغرب، وتوظيف الميليشيات الطائفية كأدواتٍ لابتزاز جيرانه من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، وكما يستخدم نظام الملالي هذه الميليشيات كأدوات يستخدمه الغرب كأداة في الشرق الأوسط.
منذ عقودٍ وحتى الأمس القريب كان الغرب يمدّ النظام بأسباب الحياة عبر قنواتٍ غير مباشرة.. تفاوضٌ تحت الطاولة، تخفيفٌ للعقوبات، وصمتٌ عن جرائمه بحق شعبه أو في الإقليم.. أمّا اليوم فقد أصبحت تلك القنوات شبه مغلقة من أجل المناورة وليس من أجل نزع قدرات النظام والقضاء عليه.. ومع أن الأزمة الداخلية الإيرانية لم تعد قابلة للتغطية” اقتصادٌ منهك، عملةٌ تتهاوى، احتجاجاتٌ لا تنطفئ، وانقسامٌ داخل أروقة الحكم يشي بانفجارٍ وشيك إلا أن الغرب الذي يعيش تحوّلاتٍ داخلية عميقة من تراجع الهيمنة إلى صعود أولويات الأمن والحدود والهجرة ليس مستعدًا بعد لإسقاط نظامٍ يمكنه من ترويض الشرق الأوسط واستنزاف موارده وسلب إرادته وفرض سياسات تقيد نموه وتحرره، ومن هنا ومن هذا المنطلق تأتي أهمية نظامٍ كنظام الملالي الحاكم في طهران للغرب وتوجهاته حتى وإن اختلف مع هذا النظام في جانب ما.
وفي خضمّ هذا التحوّل يقف العرب أمام لحظةٍ فارقة؛ فبينما يتراجع السقاة القدامى تراجعاً تكتيكياً مبهماً فيما يتعلق بمستقبل نظام الملالي بالإضافة إلى عدم وضوح مواقفهم الرسمية بشأن مستقبل دولة إيران.. هنا يصبح على العرب أن يعوا أنّ سقوط هذا النظام ليس مجرد رغبات لدى البعض فحسب بل ضرورة استراتيجية اليوم للعرب؛ فالعرب بمقاييس الأمن والهوية والمصلحة أحوج من غيرهم إلى نهاية هذا الكيان الذي لم يترك بلدًا عربيًا إلا وحاول أن يغرس فيه أنيابه.. لقد اخترق نظام ولاية الفقيه النسيج العربي مستغلًا المذهب حينًا، والشعارات الثورية حينًا آخر، وسعى علانية إلى تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية في أكثر من ساحة تحت ذريعة “نصرة المستضعفين” فيما كان المستضعفون الحقيقيون هم أبناء الشعب الإيراني الذين تعرضوا إلى مجازر إبادة جماعية بحق النُخب منهم وتستر عليها الغرب كما حدث مع 30 ألف سجين سياسي من منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة للنظام.. وكذلك لم تسلم الدول والشعوب العربية من نهجه التوسعي رغبة في تقاسم النفوذ في المنطقة مع الغرب، ومن هنا قد يكون أشد حاجة لزوال هذا النظام من الشعب الإيراني نفسه نظراً لخطورته على أمنهم القومي واقتصادهم والأوضاع السياسية في بلدانهم خاصة وأنهم قد خبروا هذا النظام وما يشكله من مخاطر سياسية وأمنية وعسكرية.
لا يعني إسقاط النظام الإيراني بالضرورة القيام بتدخلٍ عسكري أو مواجهة مباشرة بل البدء بمسار سياسي وفكري فعلي وما يترتب عليه بدءا من وعيٍ عربيٍّ جمعيٍّ بأنّ استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقّق ما دام هذا النظام قائمًا على مشروعٍ توسّعيٍّ عدواني.. المطلوب هو بناء استراتيجية عربية موحّدة تتجاوز ردود الأفعال إلى الفعل الاستباقي عبر دعم حركات الشعب الإيراني الساعية للحرية المؤمنة بالتعايش السلمي داخليا وخارجيا، وتطويق الأذرع التابعة لطهران سياسيًا وإعلاميًا واقتصاديًا.. فكلّ انتفاضة داخل إيران تُضعف النظام من الداخل أكثر مما تفعل العقوبات الخارجية، وكلّ حصارٍ لأذرعه في العواصم العربية يقلّص قدرته على المناورة.
لقد آن للعرب أن يتحرّروا من وهم “توازن الردع” الذي أبقاه النظام الإيراني شمّاعةً لتدخّله في شؤونهم؛ فذلك “التوازن” لم يكن سوى غطاءٍ للهيمنة والابتزاز، وكلّ تأخيرٍ في مواجهة هذا الواقع يمنح طهران فرصةً جديدة لزرع الفوضى في جسد المنطقة، وإنّ اللحظة الراهنة بكلّ ما فيها من ضعفٍ إيراني وانكفاءٍ غربي تمثّل فرصةً تاريخيةً ينبغي ألّا تُهدر.
لقد جرّب العرب الصمت طويلًا، وجرّبوا سياسة المداراة والمساومة فماذا كانت النتيجة؟ تمدّدٌ إيراني في أربع عواصم عربية، وصواريخُ الحوثي تعبث بأمن الخليج، وميليشياتٌ تتنازع السلطة في العراق ولبنان، ونظامٌ سوريٌّ تجبَّر وذهب أدراج الرياح بعد أن ارتضى لنفسه أن يكون رهينةً لإرادة طهران، وإنّ هذا المشهد لا يمكن أن يتغيّر إلّا إذا أدرك العرب أنّ رأس الأفعى تقطن طهران نفسها لا في توابعها.. فحين يسقط الرأس تتيبّس الأذرع وتتساقط من تلقاء نفسها.
على المستوى الدولي لم يعد الغرب يملك ترف الدفاع عن النظام الإيراني؛ فإيران لم تكتفِ بتحدّي أمريكا في الخليج بل أصبحت مصدر قلقٍ حقيقيٍّ لأوروبا بسبب ملفّ اللاجئين والمخدرات وتجارة السلاح والطائرات المسيّرة التي وصلت إلى ساحات الحرب في أوكرانيا.
إنّ الغرب الذي أدرك متأخرًا خطر التحالف الروسي- الإيراني لم يعد يجد مبررًا لإبقاء النظام حيًّا، ومع ذلك فإنّ انهياره لا يعني نهوض البديل العادل المتمثل في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق تلقائيًا بل يتطلّب دعمًا عربيًا وإقليميًا لهذا البديل لضمان تجنب سقوط إيران في فوضى تُعيد إنتاج الاستبداد بثوبٍ جديد.
وهنا تكمن مسؤولية العرب الكبرى في أن يتعاملوا مع سقوط النظام الإيراني دون اكتراث كحدثٍ عابر بل كمشروعٍ لبناء شرق أوسطٍ متوازنٍ خالٍ من الهيمنة الطائفية، والمطلوب ليس فقط نهاية نظامٍ بل بداية مرحلةٍ جديدة في كنف البديل الديمقراطي الوطني الحر المشار إليه، وتُعيد تعريف الأمن القومي العربي على أسسٍ من التعاون والاستقلالية.. فكلّ نظامٍ شموليٍّ في المنطقة هو تهديدٌ للعرب جميعًا، وكلّ ثورةٍ تحرّر شعبًا من الاستبداد تُنقذ شعوبًا أخرى من العدوى ذاتها.
وهكذا حين يرفع الغرب يده عن السقيا، وحين يمدّ العرب يدهم نحو مشروعهم المستقل ستذبل شجرة ولاية الفقيه وتتهاوى من تلقاء نفسها.. فالتاريخ لا يرحم من يصرّ على الحياة في غير زمانه، والنظام الإيراني يعيش زمن موته السياسي ويحتاج إلى من يعلن عليه صلاة الغائب.
د. سامي خاطر/ أكاديمي وأستاذ جامعي
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



