من الدفاع إلى الريادة: الرؤية الملكية التي نقلت قضية الصحراء من ملف نزاع إلى مشروع دولة

تُعدّ قضية الصحراء المغربية أكثر من نزاع إقليمي، فهي اختبار دائم لذكاء الدولة المغربية ورؤيتها الاستراتيجية في ظل تحولات إقليمية ودولية معقدة. غير أن القيادة الملكية لجلالة الملك محمد السادس استطاعت أن تُحوّل هذا الملف من مجرد قضية سيادية إلى مشروع استراتيجي متكامل يجمع بين الشرعية التاريخية، والفاعلية التنموية، والريادة الدبلوماسية.

من الشرعية التاريخية إلى مشروعية الإنجاز

منذ اعتلاء جلالته العرش، تعهّد الملك محمد السادس بأن يجعل من الدفاع عن الوحدة الترابية مشروع دولة لا شعار مرحلة، قائلاً في خطاب سنة 2017: “منذ توليت العرش، عاهدت الله وعاهدتك، على بذل كل الجهود من أجل الدفاع عن وحدتنا الترابية، وتمكين أبناء الصحراء من ظروف العيش الحر الكريم.”

هكذا، أعاد الملك صياغة القضية الوطنية في بعدها الأوسع، حيث لم تعد الصحراء مجرد ملف تفاوضي أو ورقة سياسية، بل أصبحت جزءاً عضوياً من الهوية الوطنية المغربية، وركيزة أساسية في فلسفة الدولة الحديثة. فالمشروعية لم تعد تستمد فقط من التاريخ، بل من الإنجاز الميداني والتنمية الفعلية والاندماج الشعبي.

من منطق الدفاع إلى منطق البناء

الرؤية الملكية تجاوزت الدفاع عن الحق إلى بناء واقع جديد على الأرض. فقد وجّه جلالته الدولة نحو جعل الصحراء قاطرة للتنمية الإقليمية والإفريقية، مذكّراً في خطاب 2020 بأن “ترسيخ مغربية الصحراء على الصعيد الدولي لا يعادله إلا عملنا المتواصل لجعلها قاطرة للتنمية.”

التحول كان واضحاً: من مواجهة الحملات المعادية إلى خلق نموذج تنموي فريد في الأقاليم الجنوبية، قوامه البنيات التحتية، والموانئ الكبرى، والطاقة المتجددة، والاستثمار في الإنسان. بذلك تحولت الصحراء من “منطقة حدودية” إلى منصة اقتصادية إفريقية تربط الشمال بالجنوب، وتؤكد أن الشرعية الحقيقية تُبنى بالعمل لا بالخطابات.

وضوح الموقف وحزم المسؤولية

تتميز الرؤية الملكية بوضوح المبدأ والحزم في الموقف، كما عبّر جلالته في خطاب 2009 قائلاً: “لم يعد هناك مجال للغموض أو الخداع؛ فإما أن يكون المواطن مغربياً أو غير مغربي، وطنياً أو خائناً، إذ لا منزلة وسطى بين الوطنية والخيانة.”

هذه القطيعة مع الرمادية السياسية أرست مبدأ الانتماء الكامل كأساس للوحدة الوطنية، وأغلقت الباب أمام الابتزاز أو اللعب على حبال الولاءات المزدوجة. إنها سيادة تستند إلى المسؤولية، ووطنية تُترجم بالفعل لا بالانتماء اللفظي.

بعد دولي يرتقي من الواقعية إلى الريادة

لم تقتصر الرؤية الملكية على الداخل، بل أعادت صياغة مقاربة المجتمع الدولي للنزاع. ففي خطاب سنة 2024، قال جلالته: “لقد حان الوقت لتتحمل الأمم المتحدة مسؤوليتها، وتوضح الفرق بين العالم الحقيقي والشرعي الذي يمثله المغرب في صحرائه، وبين عالم متجمد بعيد عن الواقع.”

بهذه المقاربة الواقعية، دفع المغرب المنتظم الدولي إلى التخلي عن حياد زائف والاعتراف بالحقائق السياسية والتنموية القائمة على الأرض. وهكذا، لم يعد المغرب مجرد طرف في نزاع، بل شريك في صناعة الاستقرار الإقليمي، وفاعل موثوق في إعادة تشكيل توازنات المنطقة المغاربية والإفريقية.

الصحراء… معيار الصداقة وميزان الشراكات

أكد الملك محمد السادس في خطاب 20 غشت 2022 أن “ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، والمعيار الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات.”

هذا المبدأ حول قضية الصحراء إلى محدد رئيسي للسياسة الخارجية المغربية، حيث أصبحت المواقف من الوحدة الترابية الشرط الأخلاقي والسياسي لأي تعاون دولي مع المملكة. بذلك تحولت الصحراء من موضوع دفاعي إلى بوصلة دبلوماسية ترسم بها الرباط حدود الثقة والمصداقية في علاقاتها الدولية.

من مسيرة التحرير إلى مسيرة الريادة

اليوم، لم تعد المسيرة الخضراء رمزاً لتحرير الأرض فقط، بل أضحت عنواناً لمسيرة ثانية يقودها الملك محمد السادس نحو الريادة والاستقرار. فالمغرب لم يعد ينتظر اعتراف العالم بعدالة قضيته، بل فرضه بالمنجز التنموي والسياسي والدبلوماسي، مثبتاً أن القوة الهادئة تصنع الإجماع الدولي أكثر من الشعارات العالية.

لقد أعادت الرؤية الملكية صياغة معادلة الصحراء: من “قضية للدفاع” إلى “مشروع للتنمية”، ومن “نزاع جغرافي” إلى منصة للقيادة الجيوسياسية.

فالمغرب اليوم لا يكتفي بحماية شرعية تاريخه، بل يبني شرعية مستقبله عبر نموذج وطني ناجح يجمع بين الثبات في المبادئ والمرونة في الوسائل، وبين الواقعية في الموقف والفعالية في التنفيذ.

وهكذا، يمكن القول إن الرؤية الملكية السامية قد نقلت قضية الصحراء من شرعية الدفاع إلى شرعية التأثير، ومن السيادة الوطنية إلى الريادة الإقليمية، في انسجام تام مع فلسفة الدولة المغربية الحديثة التي تجعل من الوحدة الوطنية أساس التنمية، ومن التنمية وسيلة لترسيخ السيادة.

الصحراء المغربية اليوم ليست فقط أرضاً مسترجعة… إنها مستقبل يُبنى.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني