الرباط: كواليس
في الوقت الذي يُجدد فيه جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في كل مناسبة، دعوته إلى العطف على الضعفاء وإنصاف الفئات الهشة، يصرّ عمدة فاس على أن يسير عكس الاتجاه الإنساني الذي يرسمه الملك لشعبه.
مأساة جديدة كشفت حجم التناقض بين الخطاب الرسمي القائم على قيم الرحمة والتكافل، وبين سلوك بعض المسؤولين المحليين الذين يغلقون أبوابهم في وجه المستضعفين.
القصة بدأت حين طرق شباب جمعية رؤية المستقبل للتنمية والشباب، المنبثقة عن المركز الاجتماعي باب الخوخة بفاس، باب الجماعة، طلباً للقاء مع العمدة، ليس للتسول أو المطالبة بامتيازات، بل لعرض مقترحات عملية حول إدماج شباب مؤسسات الرعاية الاجتماعية في سوق الشغل ومواكبتهم مهنياً واجتماعياً.
غير أن العمدة، كما يؤكد أعضاء الجمعية، رفض حتى الاستماع إليهم، تاركاً وراءه خيبة أمل ومرارة لدى فئة شبابية كانت تنتظر التفاتة رمزية على الأقل.
الشباب الذين عاشوا اليُتم في مؤسسات الرعاية، لم يطلبوا صدقة ولا دعماً انتخابياً، بل سعوا إلى المشاركة في بناء مدينتهم ومساعدة أقرانهم على الاندماج. ومع ذلك، وُوجِهوا بتجاهل غير مبرر، في مشهد يعكس حجم الفجوة بين خطاب الدولة الاجتماعي الذي يكرّسه جلالة الملك، وممارسات بعض المنتخبين الذين لا يرون في مناصبهم سوى امتيازات، لا مسؤوليات.
لقد قالها جلالة الملك بوضوح في أكثر من خطاب: “لا يمكن تحقيق التنمية من دون الاهتمام بالفئات الهشة والمحرومة.” ومع ذلك، يبدو أن الرسالة لم تصل بعد إلى من يفترض أنهم شركاء في هذا المشروع الإنساني الوطني. فبينما يعمل جلالته على ترسيخ دولة العدالة الاجتماعية والإنصاف، يصرّ بعض المسؤولين المحليين على تكريس البيروقراطية الباردة والعجرفة الإدارية.
ما حدث في فاس مؤشر على خلل أخلاقي قبل أن يكون إدارياً. فإذا كان شباب المركز الاجتماعي قد وجدوا الأبواب موصدة في وجههم داخل مدينتهم، فبأي وجه سنتحدث عن “إدماج الشباب” و“العدالة المجالية”؟
أقل ما كان يُنتظر من عمدة العاصمة العلمية هو الإنصات لهؤلاء الشباب ولو لدقائق، احتراماً لتوجيهات الملك ورمزية اللحظة. لأن القيادة تُقاس بالإنصات، لا بالصور الرسمية ولا بالتصريحات الملمّعة. لقد أثبت هؤلاء الشباب أنهم أبناء هذا الوطن المخلصون، بينما أثبت بعض المسؤولين أنهم عابرون في مناصب لا يستحقونها.
لا يطلب هؤلاء الشباب المستحيل، بل الحق في الفرصة. فالذين تربوا في مؤسسات الرعاية الاجتماعية يعرفون معنى العطاء أكثر من غيرهم، لأنهم خبروا القسوة وصنعوا من داخلها إرادة الحياة. واليوم، بعد أن أسسوا جمعيتهم بجهودهم الخاصة، يقولون بلسان الأمل: “لسنا عبئاً على الوطن، نحن طاقته المخبّأة… فقط أعطونا مفاتيح المشاركة، وسنفتح أبواب الغد بأيدينا.”




