منذ فجر الرسالات، قُدِّرت المرأة في الوعي الديني بوصفها موضعاً للرحمة والسكينة، ومصدراً للرعاية والحكمة، وركناً لقيام الأسرة والمجتمع على الطهر والعدل. وفي الفلسفة الإنسانية أيضا، ظهرت المرأة تجسيداً للجمال الأخلاقي، وميزاناً للودّ والحنوّ، وضميراً يلطّف صلابة العالم ويعيد إلى الإنسان إنسانيته. غير أن صورة المرأة، رمز السكينة والضمير الأخلاقي، كما عرفها الإنسان عبر تاريخه الطويل، لم تعد محفوظة اليوم بالقدر نفسه؛ إذ انتقلت بعض النساء إلى نماذج صدامية منفلتة، أو إلى ممارسة التدليس والتزوير. فما الذي غيّر الوظيفة القيمية لصورة المرأة؟
إن الصورة المثالية للمرأة لم تكن وهماً، بل كانت واقعا معاشا في البيوت والحواضر والقرى: نساء يربّين جيلاً، ويسندن رجلاً، ويقمن مجتمعاً بالقيم قبل الكلمات، وبالصدق قبل الادّعاءات… لقد كان حضور المرأة متميزا في مختلف مناحي الحياة: في العمل السياسي، والعمل النقابي، والعمل الجمعوي، بل وحتى في المؤسسات والوظائف، لما اتسمن به من صدق وتفان ونزاهة. ففي الميدان السياسي مثلا، برزت نماذج مضيئة كبلقيس ملكة سبأ، والسيدة خديجة رضي الله عنها، وشجرة الدر، وزينب النفزاوية، والملكة فيكتوريا، ومارغريت تاتشر، وأنجيلا ميركل…
وفي الميدان النقابي، كان حضور المرأة ذا قيمة خاصة. فعلى المستوى الدولي، سجل التاريخ أسماء نساء عظيمات مثل ماري هاريس جونز وروزا لوكسمبورغ، اللواتي رفعن راية العدالة الاجتماعية والنزاهة النقابية. وعلى المستوى المحلي، ظل حضور المرأة النقابية محط تقدير لسببين على الأقل: فاعليتها وانضباطها، ثم بعثُ حضورها للحماسة في صفوف زملائها الذكور داخل ثقافة ذكورية سائدة…
أما في الميدان الجمعوي، فقد قدمت المرأة الكثير، وكان أداؤها لافتا ومشرفا. فعلى المستوى المغربي نذكر مثلا خديجة الرياضي التي برزت في العمل الحقوقي، وعائشة الشنا رمز العمل الاجتماعي الصادق، وفاطمة المدرسي التي بنت من مالها الخاص مؤسسة للتعليم العالي… وعلى المستوى الدولي لا يمكن تجاوز ما قدمته الأم تيريزا، وما تبذله أنجلينا جولي من جهود إنسانية…
وفي الوظائف أيضا، كان الإصرار على حضور المرأة في قطاع التعليم، خصوصا في المرحلة الابتدائية، مرتبطا بما يميزها من رقة وحنان يلائمان حاجات الأطفال. وفي التعليم العالي تميزت نساء كثيرات في الفكر والبحث، مثل فاطمة المرنيسي التي قرأت المجتمع المغربي بعمق، وقبلها بقرون فاطمة الفهرية مؤسسة جامعة القرويين… وعلى الصعيد الدولي لن ينسى التاريخ ما قدمته ماري كوري وروزاليند فرانكلين وميريام ميرزخاني وحنة آرنت… أما في قطاع الصحة، فقد كانت المرأة العنصر الغالب، بفضل نزعتها الفطرية نحو الرعاية، وامتداد مسؤوليتها الأسرية إلى مسؤولية اجتماعية أوسع. كما تميزت في وظائف أخرى كثيرة لا مجال لذكرها جميعا. وزادت الدراسات الحديثة هذه الصورة إشراقا حين خلصت إلى أن النساء، في العموم، أكثر نزاهة وأقل تسامحا مع الفساد، بما يعزز هذه الصورة التاريخية المشرقة.
غير أنّ المشهد المعاصر يكشف تحوّلاً جذرياً في جانب من النساء؛ تحوّلا لم يقتصر على تبنّي أدوار جديدة أو اقتحام فضاءات العمل العام، بل تجاوز ذلك لدى بعضهن إلى منافسة الرجل في أسوأ صفاته: خصومة ولؤما وتلاعبا وحبا للسيطرة… وهذا المشهد لا يقتصر على من يعرفن أنفسهن ب”الحداثيات”، بل يمتدّ إلى من يسوقن أنفسهن “متدينات” ملتزمات.
ولأن هدف المقال إصلاحي لا تشهيري، فلا جدوى من معرفة المعنيات، والمتتبع الذكي سيفهم المقصود. فقد تجاوزت بعض النساء كل الخطوط في ميادين السياسة والنقابة والعمل الجمعوي والصحافة، ومن داخل المؤسسات أيضا. وإن عمم المتتبع الرصد على ما ينشر عبر الوسائط الاجتماعية، اتضح حجم الطامة. هنا تبرز الحاجة إلى التأمّل: ما الذي تغيّر؟ وكيف انتقل جانب من الأنوثة من رمز للسكينة إلى أداة للصراع؟ وما أثر ذلك في الأسرة والمؤسسة والمجتمع؟
المرأة التي كانت تشبه بالأرض في خصوبتها وعطائها، صارت في بعض مظاهر الواقع المعاصر تنسلخ عن صورتها التاريخية. لقد تنازلت الأسرة كما المدرسة عن دورهما في تكوين الشخصية السوية، واستمر الرجل في الاستغلال البشع للمرأة، إذ إن كثيرا من هذه المظاهر لا تعدو أن تكون استغلالا ذكوريا لها. كما لعبت العولمة والأنترنيت ثم مواقع التواصل الاجتماعي دورا في قلب كثير من القيم؛ فبرزت في حياتنا العامة، وفي مختلف المجالات، وجوه تمثل مساراً نسائيا صادما جديدا يبتعد عن روح رسالة المرأة، وينحو نحو حب التسلق والسيطرة والاستعداد للعب أدوار بشعة…
وقد ازداد المشهد قبحا حين أدرك بعض الرجال أن المرأة يمكن أن تُستعمل في “المهام القذرة”، فاستُغلت في حملات التهجم والتشهير، وفي محاولات السيطرة على الأجهزة أو تشتيت الخصوم، بل أسند لبعضهن ما يشبه أدوار “البلطجة” داخل مؤتمرات حزبية أو نقابية. وأضحى حضور بعضهن في تلك التجمعات مدعاة خجل، لا فخر، لما يرافقه من انفلات لفظي وسلوكي لا يليق حتى بالرجل، فبالأحرى بالمرأة! وفي هذا السياق يحكي بعض الشهود من داخل هذه الفضاءات كيف تتحوّل بعض مؤتمرات يفترض أن تكون منابر للفكر إلى مشاهد فوضى، تُقاد فيها بعض النساء لتقمّص دور “المهاجمات” و”المشاغبات” باندفاعٍ يبلغ حدَّ الابتذال، فقط لإسكات صوتٍ مخالف أو تصفية حسابٍ داخلي. وقد يذهل المرء وهو يرى نساء متعلمات متزوجات يقمن بأفعال قبيحة تضرب في العمق ما عرف عن المرأة المتعلمة من حصانة للفكر وقداسة لرابط الزواج، في إساءة بالغة لرجل “يؤدي دور زوج” كما عبر عن ذلك دوستويفسكي بسخريته المعهودة… وليست هذه السلوكات المشينة حكراً على تيارٍ بعينه، فقد تُرى عند من يرفعن شعار الحداثة، كما تُرى أيضاً عند من يختبئن خلف رموز التدين، فيغدون بلباسهن المحتشم ستاراً للتدليسٍ وشهادةِ الزور…
مثل هذه النماذج لا تمثّل المرأة، بل تُسيء إلى رسالتها وتُضعف مصداقية مشاركتها في الشأن العام. فالمجتمع لا يحتاج إلى “نسخة أنثوية” من الانحراف الذكوري، بل إلى روحٍ مكمّلة توازن العقل بالقلب، والصلابة بالرحمة. مثل هذه النماذج وجبت إدانتها لا التصفيق لها؛ مثل هذه النماذج وجب إقصاؤها من الحضور لا تمكينها من مواقع المسؤولية. كما ينبغي إدانة من يستقدم هؤلاء النسوة إلى تجمعات أو مسؤوليات يفترض فيها حضور الفكر والصدق والثبات، لا البلطجة أو التدليس أو التزوير… ولا أدري هل للأمر علاقة بخضوع تام لرجل فاسد، أم برغبة دفينة لدى بعض النساء في التسلق بأقل جهد وأقصر طريق.
وفي سياق هذا التحليل، لا بد من القول إن بعض المظاهر السلبية التي نشهدها اليوم تتجاوز في خطورتها حتى ما عرف بعهر المرأة الجسدي؛ فخطيئة الجسد تبقى سلوكاً فردياً، أما فساد الضمير والخلق داخل مؤسسات الدولة والمجتمع فهو طاعون يهدم الثقة العامة، ويشوّه القيم، ويدمّر معنى المشاركة النسائية النبيلة.
إن هذه المظاهر السلبية، وإن كانت محدودة، مقلقة نظرا لاتساع حضور المرأة في الفضاء العام من جهة، ولأن المرأة كانت تمثل قيم النزاهة والوقار، وكانت بالتالي البانية الأساس للأسرة السليمة والمجتمع الأسلم. وكيف لا، وقد لخص شوقي هذا المعنى بقوله: «الأم مدرسة إن أعددتها، أعددت شعبا طيب الأعراق». وهذا المقال ليس سوى إثارة للانتباه من جهة، ودعوة المختصين لتحليل الظاهرة أولا، والتفكير في كيفية استعادة الأدوار المشرفة للمرأة، فالقضية ليست قضية نساء فقط، بل هي قضية مجتمع بأسره.
—
محمد طلبي،
وجدة، المغرب.




