من الرباط، احتضنت المملكة أشغال المؤتمر الدولي للضحايا الأفارقة للإرهاب، في محطة دبلوماسية جديدة تسعى عبرها إلى ترسيخ رؤية إفريقية موحدة في التعامل مع ضحايا هذه الآفة وتعزيز آليات دعمهم وصمودهم. وقد أكد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، في الجلسة الافتتاحية، أن هذا المؤتمر لا يهدف فقط إلى التذكير بخطورة الإرهاب في القارة، بل يروم وضع مسار مشترك للعمل وتحويل التوصيات إلى مبادرات ملموسة تعيد الاعتبار للضحايا وتساندهم نفسيا واجتماعيا واقتصاديا.
وقدم بوريطة، بحضور مسؤولين أمميين أبرزهم الوكيل بالنيابة للأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب ألكسندر أوزيف، وعدد من وزراء الخارجية الأفارقة، مجموعة من المقترحات العملية التي يرى المغرب أنها ضرورية لبناء مقاربة ناجعة. في مقدمتها ضرورة الاستماع إلى أصوات الضحايا بوصفها مادة معرفية وإنسانية وسياسية لا يمكن تجاوزها، مع اعتماد مقاربة شمولية للدعم النفسي والاجتماعي تراعي حاجتهم إلى مواكبة طويلة الأمد وآليات واضحة للإدماج المهني والاجتماعي.
وترى المملكة أن بناء رؤية إفريقية مشتركة يشكل خطوة أساسية لتحويل الضحايا إلى فاعلين في مكافحة الإرهاب، وليس فقط طرفا متضررا. وفي هذا الإطار دعا بوريطة إلى إطلاق منصة رقمية إفريقية تتيح تبادل التجارب وتقاسم المعطيات وتعزيز التنسيق بين الدول والمؤسسات، معتبرا أن هذه المبادرة من شأنها توفير مرجع عملي لصناع القرار، وتمكين القارة من تطوير مقاربة موحدة في مجال المساندة والتمويل والدعم اللوجستيكي.
وتوقف الوزير عند أهمية أن يحظى هذا المسار الإفريقي بدعم دولي حقيقي، مشيرا إلى أن هذا المؤتمر يأتي بعد ثلاثة أشهر فقط من اجتماع وزاري احتضنته نيويورك حول ضحايا الإرهاب، غير أن احتضان الرباط لهذه النسخة يمنح النقاش بعده القاري ويضع الضحايا في قلب رؤية جديدة لمكافحة التطرف والإرهاب، وفق تصور يستلهم التوجيهات الملكية التي جعلت التضامن الإفريقي خيارا استراتيجيا ثابتا.
وشدد بوريطة على أن الأمر لا يتعلق بحدث ظرفي، بل باختيار استراتيجي راسخ في السياسة الخارجية المغربية، ذلك أن إفريقيا بالنسبة للمملكة ليست مجرد امتداد جغرافي بل فضاء إنساني وتاريخي وثقافي تحكمه روابط عميقة وروح تضامن ملموسة. واعتبر أن هذا المؤتمر يترجم رؤية تقوم على جعل دعم الضحايا جزءا من الأمن الجماعي للقارة، خاصة في ظل ارتفاع عدد الهجمات الإرهابية بشكل مقلق، إذ سجلت منطقة غرب إفريقيا وحدها نحو 450 هجوما خلال سنة 2025، بينما أصبح الساحل بؤرة رئيسية لهذا التهديد.
وأكد الوزير أن مكافحة الإرهاب ليست مجرد عملية أمنية أو أرقام في تقارير، بل مواجهة مباشرة لأثر بالغ على الأرواح والنسيج الاجتماعي والذاكرة الجماعية للشعوب الإفريقية، مشيرا إلى أن الإرهاب يسعى إلى تفتيت المجتمعات وزرع الرعب وتمزيق الاقتصادات المحلية. غير أن إفريقيا، وفق المتحدث ذاته، ليست قارة هشاشة كما يريد البعض تصويرها؛ بل قارة صمود وقدرة على النهوض، وتملك فرصة حقيقية للانتقال من مجرد الاعتراف بالضحايا إلى إدماجهم في السياسات العمومية وتعزيز دورهم في تقييم فعالية تلك السياسات.
وتوقف بوريطة عند المقاربة المغربية الشاملة في مكافحة الإرهاب، المبنية على ثلاثة أبعاد مترابطة: البعد الأمني من خلال اليقظة وتفكيك الخلايا المتطرفة، والبعد التنموي عبر مشاريع التنمية البشرية وتقوية البنيات الاقتصادية والاجتماعية، ثم البعد الفكري القائم على إصلاح الحقل الديني ونشر قيم الاعتدال والتكوين المستمر للأئمة والمرشدين. وهي مقاربة تعتبرها المملكة مدخلا أساسيا للتصدي للتهديدات المعقدة التي تتجاوز حدود الدول وتصيب الأرواح قبل المؤسسات.
وبهذا المسار، قدمت الرباط نفسها مرة أخرى منصة للحوار الإفريقي الجماعي، ومختبرا عمليا لتقريب الرؤى بين الدول وتعزيز الشراكات جنوب جنوب، في مواجهة واحدة من أعقد تحديات العصر.



