محمود حكمیان*
في الوقت الذي يغرق فيه نظام الملالي في مستنقع أزماته الوجودية، وتشتد فيه حلقات الحصار الداخلي والخارجي حول رقبة الولي الفقيه، يبرز مشهدان متناقضان تماماً يرسمان ملامح مستقبل إيران؛ مشهد لنظام متهالك يلجأ إلى آخر أوراقه المحروقة للبقاء يوماً إضافياً، ومشهد لمقاومة منظمة تتقدم بثبات في المحافل الدولية كبديل ديمقراطي وحيد وقابل للحياة.
إن القرارات اليائسة التي اتخذتها حكومة مسعود بزشكيان مؤخراً، وتحديداً قرار رفع أسعار البنزين بنسب جنونية يوم السبت 13 ديسمبر 2025، ليست مجرد إجراءات اقتصادية تقشفية، بل هي إعلان إفلاس رسمي لنظام نهب ثروات البلاد على مدى أربعة عقود لتمويل مشروعه النووي وأذرعه الإرهابية. هذا القرار، الذي وصفته السيدة مريم رجوي بأنه “إشعال للنار في برميل بارود الغضب الشعبي”، يعكس حالة الذعر التي تعيشها غرفة تجرع السم في بيت خامنئي. فالنظام يدرك جيداً أن تكرار سيناريو انتفاضة نوفمبر 2019 أصبح وشيكاً، لكنه لا يملك خياراً آخر؛ فإما الإفلاس المالي التام أو المخاطرة بانفجار اجتماعي لا يمكن السيطرة عليه.
وفي مواجهة هذا الإفلاس، لم يجد النظام وسيلة سوى تصعيد ماكينة القتل والإعدام. حيث تشير التقارير المروعة إلى تنفيذ ما لا يقل عن 67 عملية إعدام في أسبوع واحد فقط خلال منتصف ديسمبر الجاري، في محاولة بائسة لترهيب المجتمع. إلا أن الرد جاء مدوياً من داخل سجون النظام نفسه، حيث دخلت حملة “ثلاثاءات لا للإعدام” أسبوعها التاسع والتسعين (99)، متسعة لتشمل 55 سجناً في عموم البلاد. هذا الصمود الأسطوري للسجناء السياسيين، وتلاحمهم مع “وحدات المقاومة” التي تواصل عملياتها الجريئة ضد رموز القمع والحرس، يؤكد أن جدار الخوف قد انهار إلى الأبد، وأن استراتيجية “النصر بالرعب” التي اعتمدها خميني وخلفه خامنئي قد فقدت فاعليتها.
على الجانب الآخر من هذا المشهد الدموي، نرى المقاومة الإيرانية تحقق اختراقات سياسية واستراتيجية غير مسبوقة، تفرض من خلالها معادلة “البديل الثالث” على الطاولة الدولية. ففي يوم الاثنين 15 ديسمبر 2025، شهدت الجمعية الوطنية الفرنسية مؤتمراً حاسماً تحت عنوان “الأزمة الحالية في إيران: المخرج الممكن”، حيث استقبل نواب الأمة الفرنسية الرئيسة المنتخبة للمقاومة، السيدة مريم رجوي، كقائدة لمشروع التغيير الديمقراطي.
في كلمتها أمام المشرعين الفرنسيين، وضعت السيدة رجوي النقاط على الحروف، مؤكدة أن “الأزمات في إيران وصلت إلى نقطة اللاعودة”، وأن الحل الوحيد لإنهاء التهديد الذي يشكله هذا النظام للأمن العالمي ليس في الحرب الخارجية ولا في سياسة المماشاة المخزية، بل في الاعتراف بحق الشعب الإيراني في إسقاط النظام، ودعم برنامج المواد العشر الذي يضمن إيران غير نووية، ديمقراطية، علمانية، ومحترمة لحقوق الإنسان.
ولم يقتصر هذا الزخم على أوروبا فحسب، فقبل ذلك بأيام قليلة، وتحديداً في 11 ديسمبر 2025، وجهت السيدة مريم رجوي رسالة قوية إلى مؤتمر في مجلس الشيوخ الأمريكي، حيث أكدت أن “الفاشية الدينية” وصلت إلى طريق مسدود. الرسالة التي لاقت صدى واسعاً بين أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب من الحزبين، ركزت على ضرورة تفعيل “آلية الزناد” وإعادة تفعيل قرارات مجلس الأمن الستة ضد النظام، والأهم من ذلك، الاعتراف بنضال “وحدات المقاومة” كقوة شرعية للتغيير.
إن تزامن هذه التحركات الدبلوماسية الرفيعة مع الحراك الثوري في الداخل، والانهيار الاقتصادي المتسارع للنظام (عجز في الموازنة يتجاوز 6% من الناتج المحلي الإجمالي وتضخم يفوق 50%)، يضعنا أمام استنتاج سياسي واضح: لقد انتهى العمر الافتراضي لنظام ولاية الفقيه.
إن العالم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بدأ يدرك أن المراهنة على “إصلاح” هذا النظام أو التفاوض معه هي رهان خاسر. إن الترحيب الدولي المتزايد بطروحات المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وتحديداً بعد تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها الحادي والسبعين (71) بإدانة انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، يشير إلى تحول في المزاج الدولي. المجتمع الدولي لم يعد يرى في النظام الإيراني مجرد “مشكلة” يمكن احتواؤها، بل “خطراً” يجب إزالته، ويرى في المقاومة الإيرانية “الحل” الذي طال انتظاره.
ختاماً، يمكن القول إن خامنئي، بمغامراته الأخيرة في رفع الأسعار وتسريع الإعدامات، قد ضغط بيده المرتجفة على زر التفجير الذاتي للنظام. وفي المقابل، تقف المقاومة الإيرانية، بقيادتها الحكيمة وقاعدتها الشعبية المتمثلة في وحدات المقاومة، على أهبة الاستعداد لتحويل هذا الانفجار إلى فجر للحرية. إن المعادلة الإيرانية لم تعد تحتمل أنصاف الحلول؛ فإما استمرار الظلام الملالي أو بزوغ شمس الجمهورية الديمقراطية، وكل المؤشرات تؤكد أن الخيار الثاني هو القادم لا محالة.
*عضو في لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية




