تشهد منطقة المناصرة وتحديدا النفوذ الترابي لدوار العفايفة وأولاد عزوز، حالة من العصيان الإداري غير المعلن للتوجيهات المركزية الصارمة المتعلقة بتدبير المجال وحماية الموارد الطبيعية، حيث تحولت المنطقة إلى علبة سوداء تمارس فيها كل أشكال الخروقات العمرانية والبيئية تحت غطاء مكشوف.
المؤسف أن “هناك” من اختار الاصطفاف إلى جانب الفوضى، ضاربا عرض الحائط بدوريات وزارة الداخلية التي تجرم التستر على البناء العشوائي واستنزاف الفرشة المائية، والواقع الميداني يكذب كل التقارير الروتينية المرفوعة للجهات الوصية مركزيا ويكشف عن وجود منظومة مصالح معقدة توفر الحماية لمافيا العقار ولوبي الزراعات المستنزفة للمياه في تحد صارخ لهيبة الدولة والقانون.
أخطر ما يواجه المنطقة حاليا هو جريمة تجفيف الفرشة المائية التي ترتكب بدم بارد، إذ تعمل آلات حفر الآبار غير المرخصة ليل نهار لخدمة ضيعات الأفوكادو التي اكتسحت الأراضي الفلاحية، ويحدث هذا الاستنزاف الهيكلي أمام أنظار “الشيخ” الذي يمارس حيادا مريبا تجاه هذه الجرائم البيئية.
وهنا يتساءل بعض من أبناء المنطقة، هل أصوات المحركات وضجيج الآليات الثقيلة، لا تصل سمعه، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول لغز هذا الصمت الذي يهدد الأمن المائي لإقليم القنيطرة، ككل في وقت تعلن فيه المملكة حالة طوارئ مائية، ليتحول المسؤول المحلي من حارس للقانون إلى شريك مباشر في جريمة العطش التي تتهدد الساكنة.
توازيا مع الكارثة البيئية، تعيش المنطقة انفلاتا عمرانيا غير مسبوق، حيث تحول دوار العفايفة إلى ورش مفتوح للبناء دون ترخيص وتناسل المستودعات العشوائية التي لا تكتفي بتشويه المنظر العام بل تحولت إلى بؤر حاضنة لأنشطة مشبوهة، فقد أصبحت بعض المقاهي غير القانونية أوكارا لترويج المخدرات واستهلاكها علانية، في حين تحولت طريق بوكمور إلى حانة مفتوحة وملاذ ليلي للعربات المشبوهة وممتهني الإجرام وسط غياب تام لأي رادع زجري أو حملات تطهيرية.
وهنا، يعود السؤال المحرج ليطل برأسه من جديد: هل عين “الشيخ” التي لا تنام عن مراقبة المواطن البسيط، تخطئ “النظر السديد” حين يتعلق الأمر بهذا النوع من المشاهد؟
استمرار هذا الوضع الكارثي بمنطقة المناصرة لم يعد يحتمل أنصاف الحلول أو المراسلات الإدارية الروتينية، بل يستدعي تدخلا جراحيا عاجلا من طرف المفتشية العامة لوزارة الداخلية ومصالح عمالة القنيطرة لإنزال لجان تفتيش ميدانية تملك صلاحية التقصي والبحث، ليس فقط لرصد المخالفات الظاهرة بل للتدقيق والتمحيص في مدى صحة التقارير التي، ربما، أو قد تكون، حجبت الحقيقة عن المسؤولين المركزيين لسنوات، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في حق كل من سولت له نفسه تحويل النفوذ الترابي إلى ضيعة خاصة تدار بمنطق الولاءات والمصالح الشخصية على حساب القانون والمصلحة العليا للوطن.




