كأس أمم إفريقيا المغرب 2025 تكشف زيف خطاب الهوية والتراث في الخطاب الجزائري

السعيد بنلباه

منذ أن أحكم كلٌّ من عبد المجيد تبون وقائد الأركان سعيد شنقريحة قبضتهما على السلطة في الجزائر، برز إلى السطح خطاب عدائي ممنهج تجاه كل ما هو مغربي، خطاب لم يعد يقتصر على التراشق السياسي التقليدي، بل تمدد ليشمل الهوية، والتاريخ، والتراث، وحتى التفاصيل الثقافية الدقيقة التي تشكل عمق الشخصية المغربية المتجذرة عبر قرون.

هذا العداء لم يُدار فقط عبر المنابر الرسمية أو التحركات الدبلوماسية، بل جُنِّدت له إمكانيات مالية ضخمة من عائدات الغاز والبترول، وسُخّرت له جيوش إلكترونية تضم عناصر محسوبة حتى على المؤسسة العسكرية، استبدلت السلاح بلوحات المفاتيح، في محاولة يائسة لإعادة كتابة التاريخ وبناء هوية مصطنعة على أنقاض تراث الغير.

ولم تتوقف هذه الحرب عند حدود مواقع التواصل الاجتماعي، بل نُقلت إلى المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة اليونسكو، حيث حاول النظام الجزائري، دون نجاح، السطو على عناصر أساسية من التراث المغربي الأصيل، من قبيل الكسكس، والبسطيلة، والطاجين، والزليج، والجلابة، وصولاً إلى القفطان المغربي، الذي تضرب جذوره في أحياء وسويقات الرباط وسلا وفاس وتطوان ووجدة، وغيرها من الحواضر المغربية العريقة.

خمس سنوات وأكثر، والإعلام الجزائري الرسمي وشبه الرسمي يسبح في نهر من الادعاءات حول “تراث جزائري” بلا سند تاريخي متماسك، تراث يظهر، عند التمحيص، كمزيج هجين من تأثيرات حضارية مرّت عابراً على الجغرافيا الجزائرية، من عثمانيين إلى استعمار فرنسي طويل، دون أن تترك دولة ما بعد الاستقلال أثراً ثقافياً متكاملاً أو هوية جامعة واضحة المعالم.

غير أن الواقع، كما جرت العادة، كان أبلغ من كل الدعاية. فجاءت كأس أمم إفريقيا المغرب 2025، كتظاهرة قارية كبرى، لتعرّي هذا الخطاب وتكشف هشاشته. فقد حرصت الوفود الإفريقية المشاركة، جماهير ومنتخبات رسمية ولاعبين، على إبراز هوياتها الوطنية من خلال الأزياء التقليدية، والأهازيج، والرموز الثقافية التي تعكس عمق التاريخ وثراء الانتماء. مشهد إفريقي متنوع، غني، واثق من ذاته.

وسط هذا المشهد، برز غياب لافت لوفد واحد ظل نظامه يتحدث لسنوات عن “الهوية” و“التاريخ” و“التراث”، لكنه عجز، في لحظة الحقيقة، عن تقديم أي تعبير ثقافي أصيل يجسد هذا الخطاب. لا زي تقليدي جامع، ولا رمز ثقافي متوافق عليه، ولا سردية تاريخية واضحة يمكن الافتخار بها في محفل قاري مفتوح.

وهكذا، لم تحتج خرافة “التراث المسروق” و“الهوية المصطنعة” إلى نقاشات أكاديمية ولا إلى ردود رسمية، فقد أسقطتها الوقائع، وأسكتها الصورة، وكشفتها منصة إفريقية كبرى احتضنها المغرب بثقة دولة تعرف تاريخها، وتتصالح مع هويتها، ولا تحتاج إلى السطو على ذاكرة غيرها لتصنع لنفسها مكاناً بين الأمم.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني