برعلا زكريا
بشرى سارة وخبر جد سار وانتصار للصحافة، هكذا خرج حميد المهداوي على مريديه في تدوينة فيسبوكية ماكرة موهما الآلاف بأن المحكمة الإدارية قد أنصفته وأعادت إليه بطاقة الصحافة المسحوبة، ليتسمر الجميع أمام شاشات الهواتف في انتظار الأدلة القاطعة التي وعد بها، قبل أن ينكشف المستور وتظهر الحقيقة العارية التي تؤكد أننا بلغنا الدرجات القصوى في ممارسة الاستغباء الجماعي وبيع الوهم للمتابعين، فالرجل لم ينتصر ولم يستعد بطاقته بل تلقى حكما بعدم قبول الطلب بسبب خطأ بدائي في الإجراءات لا يقع فيه حتى المبتدئون.
يتجاوز ما فعله المهداوي حدود المناورة الإعلامية ليدخل خانة النصب المعنوي المكتمل الأركان، فأن تحول هزيمة قضائية مذلة سببها خطأ مادي في رقم القرار المطعون فيه إلى انتصار تاريخي وتسوقه كبشرى هو قمة الاستهتار بذكاء المغاربة، فالرجل كان يمني النفس بحكم في الموضوع لكن دفاعه ارتكب خطأ كارثيا بالطعن في قرار خاطئ، وبدلا من أن يتوارى خجلا من هذه الفضيحة الإجرائية التي تؤكد ضعف أدواته وتخبطه خرج يهلل ويكبر معتبرا أن طرد المحكمة له من الباب الشكلي هو وسام شرف وتبرئة لساحته في قلب مفاهيمي لا يتقنه إلا من احترف الرقص على الحبال.
يكشف هذا السلوك عن الوجه الحقيقي لمشروع المهداوي الذي لم يعد يكترث لمهنة الصحافة ولا لأخلاقياتها بقدر ما يهمه الترافيك وعائدات اليوتوب، فالرجل مستعد للاستثمار حتى في خيباته وفشله القانوني لصناعة البوز، فمنذ متى كان رفض الدعوى شكلا انتصارا ومنذ متى كان العجز عن تحرير مقال افتتاحي سليم دليلا على الكفاءة، الحقيقة المرة التي يحاول المهداوي طمسها بالصراخ هي أنه اليوم وبقوة القانون فاقد للصفة وأن المحكمة لم تناقش حتى أهليته المهنية لأن ملفه كان معيوبا من الأصل وهو ما يجعله في وضعية اليوتوبر الهاوي الذي لا يضبط حتى مساطر الدفاع عن نفسه فكيف سيضبط قضايا الشأن العام.
نحن إذن أمام مرحلة متقدمة من العبث واللامعقول التي يصبح فيها السقوط نجاحا والخطأ تكتيكا والطرد من المحكمة معركة نضالية، فالمهداوي يدرك جيدا أن بضاعته هي الكلام وأن استمرار تدفق الأموال مرتبط باستمرار دور الضحية، لذلك لم يتردد في تحويل نكسة قانونية كان يفترض أن تصيبه بالاكتئاب إلى حلقة فرجة مدرة للدخل مستغلا جهل البعض بالتفاصيل القانونية الدقيقة ليمرر عليهم مغالطة أن المحكمة لم تقل إنه ليس صحفيا متناسيا أن المحكمة قالت ما هو أدهى وأمر أنت لا تعرف حتى كيف ترفع دعوى قضائية.
يسدل الستار على هذه المسرحية الهزلية بحقيقة واحدة لا تقبل التأويل وهي أن حميد المهداوي اليوم مواطن عادي يملك قناة على اليوتوب جردته الإدارة من البطاقة وطرده القضاء من الباب بسبب الخامة، أما احتفالاته الافتراضية فهي مجرد قنابل دخانية للتغطية على الفشل ومحاولة بئيسة لترميم صورة تحطمت على صخرة القانون، ليبقى الدرس البليغ من هذا السقوط الحر هو أن هناك من لا يجد حرجا في الاقتيات على جثته المهنية ما دام عداد المشاهدات يدور والدراهم تدخل الجيب ولو كان الثمن هو الحقيقة.





