حَلاّقُ رايس

د. خالد زغريت

كنتُ أعرف أنّ الأيام تضحكُ لبعض الناس فيبقون مكشّرين عن أسنانهم ليباهوا بنصاعة بياضها، وهي تنهش الأخضر واليابس من أحلامنا، فنبقى مغلقين شفاهنا لنخفي سواد أسنانها التي تصدأت من الجوع، وتكسّرت أطرافها لكثرة ما كنا نصكها على بعضها من غيظنا من ضحكهم ، بلى أعرف كم تضحك الأيام لبعضهم بلا حساب، ولا ترينا سناً أبيض، لا في أيامنا السواء و لا في أحلامنا البلقاء المجقومة من الجوع، أما أن تبقى تضحك الأيام من لِحانا مبللة، وناشفة فما كنت أظن أنها تحقق ميزان عدالتها، لأني كنت أضحك من نفسي، وأعللها تبقى الأيام مقطوعة عرق الحياء، فلا تنصفنا بضحكة، ولو من قفا الكيل.
وفعلاً لم يبق عرق حيائها مقطوعاً، فقد ضحكت لكن لي أم مني، لا أعرف ،إنما ضحكت…. لكنها ضحكت يوم منّنتي بعقد عمل في بلد ضحك له الزمان بالنفط حتى دخّن من الضحك، ظننت بداية وصولي إلى الأرض الشقيقة أن الدنيا طوّبت لي من الضحك أكثر من بحر يفقأ عيني شؤمي ويعجزه عن تبليطه.
ورحت في سري أشرك بعض رفاقي الذين أدارت لهم الدنيا بوزها، ولم أكتف بمط أحلامي على طول رجليّ، بل بذرّت تبذير العديم الذي وقع بسلة التين بإكرامهم من فراطة أحلامي، فعشت أحلام يقظة، ورحت أتحسن فيها صديقي المهندس الذي لا عمل له إلا هندسة الشوارع بأن أعيّنه حارساً للمزرعة التي سوف أشتريها فيهندسها بأجرة عرقه بدلاً من هندسته المجانية للشوارع، أما صديقي المدرس الجامعي فسأعينه مدقق سجلات المكتب العقاري الذي سأشتريه، بدلاً من يفقد عقله، ونظره وهو يدقق إعلال الحال في الكتب الصفراء، بينما لم يعللوا له تصفيرهم له من الجامعة …. وووو، لكن ما إن استلمت العمل حتى رحت أكنّس أحلامي شيئاً فشيئاً، ومع مرور الأيام كبرت سلة الأحلام التي يبليها الواقع.
وبتّ أتعايش مع جنازاتها اليومية، على الرغم من أنني لم أكن نكرة تماماً في بلد شقيق فقد منَّ عليّ أهله بسعة كرمه المألوفة في المناطق السياحة جيداً، ومنحوني جنسية وافد برتبة شحاذ من بدون الأشقاء المكتومين، وكانت شفقتهم أوسع حين تفضلوا عليّ بالنظر إلى كلّ شهادتي على أنها أوراق استعطاف رسمية، أما الأخوّة والتاريخ المشترك فهما في أسفل سفل سلّة مهملات العولمة التي سبقونا إليها بسباق الهجن على جمل من ذهب.
أنا لا أدري لماذا أكره سلال المهملات، بل وأخافها، ولاسيما تلك التي تجلس فخامتها تحت إحدى طاولاتنا في مكتبنا المصدّر بابه بلوحة نُقِشَ عليها بالخطّ الكوفي الذهبيّ التوجيه الاختصاصي للغة العربية، وكان قد جلبها المستخدم البنغالي الذي يحظى باحترام المديرة الليدي”شُعيلة” رئيسنا المباشر أكثر مما يحظى عندها “ابن سينا” و”حملة نوبل من العرب”، لذلك كنا نتجنّب كلمات المستخدم التي تسنّ قرنيها دائماً. وتنطح طمأنينتنا الهزيلة، وكثيراً ما كنت حين أشرد بتفكيري عن زملائي، وأغرق في تأمّل تلك السلّة فأتخيلها قطّةً تترّبص بلحمي، وأحسّ بنفسي أنني أشبه بورقة مهملة رمتها الحياة في قعرها.
تلك السلة وضعها المستخدم الركن المهيب للمدير تحت طاولة زميلي “عرفان خدود العُود” ذلك المفتش النزق، وكأنه من بارود، فهو دائماً على أهبة الانفجار على الرغم من أنّ شكله لا يوحي بما هو عليه من تذمّر بات يظهره مثل شارة الخبر العاجل التي لا تنقطع على مدار الدقيقة عن صعقنا المجاني، وهو لو لم يكن بشاربين و صلعة، لا شك في أنك ستظنه” تلك الفنانة النجمة التي تتحسّن على المذيع الذي يستضيفها بنصف أنوثتها، وحبة مسك غنج على أنها لم تهضم كلّ رجولات العرب، ولا سيما أنها تذكّرنا بما تبقى لنا منها في المسلسلات الفنتازية ، ولو لم يكن مكتبنا الفخم يشهر أهميته باللوحة التعريفية، لكنت ستحسب السيد “خدود العود “جابي باص” هوب هوب”، لاسيما لو أنك اكتشفت أنه يتأبط دائماً “موس كبّاس” يخفيه في خاصرته مقلداً الرجال” الزكرت” أيام زمان…
و كنا نخمّن أن حمله لهذه الموس على سبيل الطرفة، وهو سرّ لا يعرفه إلا زملاؤه المقرّبون، وكثيراً ما كنا نمضي الوقت في التندر من موس السيد” خدود العود”، وكنا نلقبه حلاق “ذقن الليدي رايس مديرتنا ” والحقيقة اسمها “عمشة”؛ ولأنها تتشبه ب” غوندليز رايس ” وزيرة خارجية أمريكا أو هي إياها و الخطية برقية ” الكسائي. وكانت حين تطلّ علينا في جولاتها التفتيشية أشد فخامة حتى “كليوبترا” . وحين كانت تقفل راجعة مودعة لنا بقفاها الذي له هيبة أمبراطورية، يردد خدود العود : ليتني سمٌّ في خاتمها، ثم، كان يخرج الموس و يلوّح به.
وكنا نحن نتسابق جميعاً إلى التندر من طغيان مظاهر الرجولة على أنوثتها، و لا يلبث أن يقطع تندرنا زعيقه: العمى يضربكم، كم كنت أقول لكم الليدي كانت في الأصل رجلاً، أنا بمعالي قدري، و فخامة موسي الذي تضحكون منه كنت أحلَق لها ذقنها لتموّه ذكورتها، وذلك حين كنت أعمل مفتّشاً على الرجولة بعد نكسة الشوارب العربية بسقوط عشر عواصم عربية، فنضحك، ونردّ جميعاً حفظناها، طرفة بائتة و مخمخمة.
هذه المرة أراد أحد الزملاء أن يضفي على الجلسة جديداً، فاستلّ من حقيبته ورقة بيضاء، وكتب فيها: باسم مفتشي اللغة العربية طلباً بغاية السرية، والإلحاح إلى المديرة، نرغب في نزع موس “خدود العود”، وننطلق بطلبنا من توصيات مجلس الأمن في اجتثاث الإرهاب، وهذا الموس يشكل إرهاباً ملحوظاً، وختم الطلب الموهوم بتعبير : سيادة المديرة اعذر مَن أنذر .. إن السلاح بيد المفتش يجرح … و الذي يتستر على طلبنا يخالف مجلس الأمن، وربما كنا نظن أننا من كثرة أكلنا البيتزا أصبحنا نحن و الأمريكان أخوالاً، وكنا نغني دائماً نحن و الأمريكان بالبيتزا جيران، بيوتهم خلف رقابنا وأعلامهم على تلالنا ، وخوذاتهم مغطية أوطاننا.
نحن على يقين أن الجيرة و الخؤولة تبيحان لنا المزح مع رجال البيت الأبيض وكنا نتخيلهم نسخة طبق الأصل عن الموجهين، ولاسيما نشترك معاً في المهام التفتيشية.
ولم نقدّر أن أمريكا على عظمتها لا تتحمل هكذا مزحة، وأنّ مثل هذه المزحة ستنطّ إلى حماقة تجتاز الخط الأحمر للجيرة ، وترمي بنا إلى جيرة البند السابع لمجلس الأمن، وعلى الرغم من أنّ أحد الزملاء استدرك مزحتنا ومزّق الورقة التي لم تحمل بعد إلا بضعة توقيعات، ثم رماها في سلة المهملات المتربصة بعيون قطّ شيطاني تحت” خدود العود”.
وأعاد هذا الزميل الجلسة إلى بعض وقارها، وراح بدماثته وحنكته في تدبّر المزحات الإستراتيجية، و سرعنا ما عدنا إلى حدود هيبة التوجيه سالمين، وقبلنا بترسيم حدود الخط الأزرق و الأحمر للمزاح، ومرّ يومنا كما مرّ يوم مضى.
لم يثر اهتمامي في اليوم التالي نظافة الغرفة، إنما نعق في سهوي منظر السلة الخاوية، فتخيلت أنها تتهيأ لاحتوائنا، أما المثير فهو الحركة الغريبة التي كان يقوم بها رجالٌ لا توحي أناقتهم الفظة بأصالتها، إذ يراود مَن يراهم الشعور بأن ما تحت الثياب هي أجساد، لا تليق بها الأناقة والدماثة، و شيئاً فشيئاً تجمعوا قرب الباب.
فجأة ودخل أطولهم شارباً، وأنظفهم حذاءً وأهيبهم قامة، وسأل: بلهجة تتطاير منها النيران الصديقة الشريرة بكل اتجاه: مَن منكم “عرفان” أشرنا جميعاً بيد واحدة هذا.. طلب منه مرافقته، وقبل أن يخرج من الباب التفت إلينا، وقال بجدية ممسوخة: انتظرونا شباب لن أتأخر، يبدو أن ذقنها طالت، سأحلق لها على الناشف فوراً، وأرجع لكم، كنا نظن أن لا أحد غيرنا يعرف ما يقصد، لكن مرافقه، قال : نعم يا شاطر سيذهبون ليحلقوا العشب عن قبرك … تملكنا شعور بأن ورطة ما ستحيق بنا قريباً، تفتتت قلوبنا قلقاً، و تشرذمت سبحة جلستنا، فصرنا كحبات سبحة رديئة سقطت فتطايرت …
في اليوم الأول عرضت قناة فضائية ضليعة بالضحك الأبيض والأسود من لحى أحلامنا على شريطها الإخباري خبراً عاجلاً : صرّح متحدّث في البنتاغون الأمريكي: تمكنت قوات أمن إحدى الدول الصديقة من القبض على إرهابي يحمل سلاحاً مشبوهاً، كان الطالبان يستخدمونه في حلاقة ذقن تمثال بوذا.
أما القناة الشقيقة فبثت مؤتمراً صحفياً للسيدة “المديرة ” أعلنت فيه أن الـ(ف.ب. أي ) اكتشفت أن على السلاح آثار دم تعود إلى ضحايا مانهاتن، ولما اشتد لغط الفضائيات، خرج وزير تعليم الدولة المضيفة، وأعلن أنّ القوى الأمنية تمكنت من القبض على قائد مجموعة إرهابية استغلت كرم الضيافة، وكان ينوي تمزيق أوصال الأمة العربية، مستخدماً موس سايكس بيكوياً.
وكان هذا الخبر آخر عهدي بأرض الدولة الشقيقة التي وضعتنا في سلة مهملات الأمم المتحدة الحياة، بينما كان المستخدم البنغالي يغني بالعربي الفصيح ضحكت الأيام منك، وحلقوا لك يا حلاقَ الليدي، صلعةَ جَدِّ جَدِّك على الناعم، ألا تعرف أنّ للحيطان الشقيقة آذان”رايس”. رأيت الليدي كجرّة كيد تجلس على مكتبها وتبتسم و تقول للمستخدم لا تنس أن تقرأ حين تدخل المكاتب:” يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظنّ أثم ولا تجسسوا …” لا تنس أن تمرّ لعندي لأتصدق عليك بمبلغ تدفعه كفّارة تجسسك …


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني