شيوخ الفتنة… حين يتحول الدين إلى أداة تخريب اجتماعي

 

بقلم: ذ.محمد بوفتاس
أخطر ما يهدد المجتمعات اليوم ليس الإلحاد، ولا الأسئلة الجريئة، ولا حتى الاختلافات الفكرية الحادة، بل أولئك الذين يتحدثون باسم الله وهم في الحقيقة يتحدثون باسم مصالحهم. شيوخ الفتنة لا شكل لهم واحد، ولا هيئة ثابتة تفضحهم. قد تراهم بلحى طويلة وعمائم ثقيلة، وقد تراهم بلا لحية، بوجوه “عصرية” وخطاب ناعم، لكن الجوهر واحد: استغلال الخطاب الديني لإنتاج الخوف، والتحكم في العقول، وزرع الفتنة داخل المجتمع.
هؤلاء لا يقرؤون الدين بوصفه تجربة أخلاقية إنسانية، بل بوصفه مخزونًا قابلًا للتوظيف. النص عندهم ليس مجالًا للفهم، بل أداة انتقاء. يقتطعون الآية من سياقها، والحديث من زمانه، ويعزلون الحكم عن مقصده، ثم يقدّمون هذا المسخ على أنه “شرع الله”. والحقيقة أن ما يقدّمونه ليس إلا شرع الشيخ، واجتهاده المصلحي، ورؤيته الضيقة للعالم.
شيوخ الفتنة لا يصنعون الإيمان، بل يصنعون الطاعة العمياء. لا يبنون الإنسان، بل يكسرون داخله القدرة على السؤال. أول ما يفعلونه هو إعلان الحرب على العقل، لأن العقل الحرّ لا يُقاد، ولأن السؤال بداية التحرر. لذلك يصبح التفكير “شبهة”، والنقاش “وقاحة”، والاختلاف “فتنة”، بينما الفتنة الحقيقية هي تحويل الناس إلى قطيع يخاف التفكير أكثر مما يخاف الظلم.
سلاحهم الأكثر فاعلية هو التحريم. التحريم سهل، سريع، ومخيف. لا يحتاج إلى معرفة عميقة ولا إلى اجتهاد مسؤول. بكلمة واحدة يمكنهم تحريم الفرح، والفن، والحب، والاختلاف، والمرأة، والحياة نفسها. التحريم عندهم لا ينبع من مقاصد الشريعة، بل من هوس السيطرة. فكلما ضاق هامش المباح، اتسعت مساحة نفوذ الشيخ، وكلما خاف الناس، ازدادوا تعلقًا به.
بهذا السلاح، يُعاد تشكيل المجتمع على صورة سجن أخلاقي مفتوح: الجميع يراقب الجميع، الجميع يشك في الجميع، والجميع يخاف من الجميع. تُفكك العلاقات الإنسانية، وتتحول الأخلاق إلى قائمة محظورات، لا إلى قيم حيّة. يُربّى الإنسان على الشعور بالذنب بدل الشعور بالمسؤولية، وعلى الخوف من الله بدل محبته، وعلى طاعة الشيخ بدل الاحتكام إلى الضمير.
الأخطر من ذلك أن شيوخ الفتنة يخلطون عمدًا بين المقدّس والبشري. يقدمون اجتهادهم على أنه وحي، ورأيهم على أنه حكم الله النهائي. من يعارضهم لا يُناقش، بل يُدان. من يختلف معهم لا يُحاجَج، بل يُخوَّن دينيًا. وهكذا يُصادَر الدين باسم الدين، ويُختطف الإيمان لصالح فئة تحتكر الحديث باسم السماء.
في هذا المناخ، لا يعود الدين عامل وحدة، بل يتحول إلى أداة انقسام. لا يعود وسيلة لبناء السلم الاجتماعي، بل ذريعة لتبرير الإقصاء والكراهية. تُستباح كرامة الإنسان باسم “الغيرة على الشريعة”، ويُقمع الضعفاء باسم “سد الذرائع”، ويُبرَّر الظلم لأن “طاعة ولي الأمر واجبة”، أو لأن “الفتنة أشد من القتل”. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: يُرتكب القتل المعنوي والمادي باسم محاربة الفتنة.
ما لا يريد شيوخ الفتنة الاعتراف به هو أن الدين، في جوهره، جاء لينتصر للإنسان لا عليه. جاء ليحرر الضمير لا ليخنقه، ليقيم العدل لا ليبرر القهر، ليصون الكرامة لا ليصادرها. الشريعة ليست سيفًا، بل ميزان. ليست قائمة عقوبات، بل منظومة قيم. لكن هؤلاء اختزلوا الدين في الحدود، والإنسان في الخطأ، والحياة في الخطيئة.
إن أخطر أشكال الفساد الديني هو ذاك الذي يتخفى خلف القداسة. لأنك تستطيع أن تواجه الفساد السياسي، وأن تكشف الفساد الاقتصادي، لكنك حين تواجه فسادًا يرتدي عباءة الدين، تجد نفسك متهمًا قبل أن تتكلم. وهنا بالضبط تكمن قوة شيوخ الفتنة: في تحويل أنفسهم إلى خطوط حمراء، وتحويل النقد إلى جريمة، وتحويل الله إلى درع يحميهم من المساءلة.
نحن لا نحتاج إلى دين بلا شيوخ، بل إلى شيوخ بلا فتنة. إلى خطاب ديني يعترف بنسبيته، ويقبل الاختلاف، ويضع الإنسان في قلب اهتمامه. إلى فقه يشتبك مع الواقع بدل الهروب منه، ويستحضر المقاصد بدل اجترار النصوص، ويُعيد للدين معناه الأخلاقي العميق.
أما الدين الذي يُفسد المجتمع، ويزرع الكراهية، ويُغلق العقول، ويُبرر الظلم، فليس دين الله، بل صناعة بشرية باسم الله. ومقاومة هذا الدين المزيّف ليست خروجًا عن الإيمان، بل دفاعًا عنه.

 


تعليقات الزوار
  1. @عبدالله

    نحن مع القران الكريم نحن مع شريعة والدين الاسلامي الدي ينير الى طريق مستقيم لا للخروج عن طاعة الله ورسوله المصطفى
    لا لتحرير انفسنا ونياىنا وفتياتن المعاصي باسم تفتح وتطور الاعمى حتى تصبح بلاد مرتعى فساد غتصاب والولادات غير شرعيه في زمن تواصل
    نحن ضد تجار الدين الدين يستغلون نساء فتياة في زنى فساد او من اجل اصواط نتخابيه تفتح لهم طريق للوصول لمنابع قرار ويصبحو اشد
    كفرا ونفاقا وحقدا على بشر هدفهم الاسمى حكم المغرب هدا من مخططاتهم الشيطانيه فرخو خونه فرخو شباب وفتاية ونساء ضد دولة مؤسساته قمرهم ضيق الحقود متجه لجهة واحده الاسترزاق الفاحش حكم دولة المغربيه مدى الحيات من منبر كواليس اليوم احدر من كل فصاىل علمانين يسارين شتراكين شيوعين او من تجار الدين لانهم عملة واحده يستحمرو شعب
    والشي الدي يثلج الصدر ان حوالي 40مليون مغربي حبهم لهد الوطن والملك بلاد محمد السادس حفظه الله ونصره و لشريعه والدين الاسلامي لايتغير ولله الحمد والشكر .تحت شعار
    الله. الوطن. الملك
    لن ثقه في صمام وامان بلاد المغرب هو الله وملك بلاد حفظه الله ام
    منافقات منافقين في كل واد يهيمون لافرق بين هدا ولاهدي ولاغيىهم اصحاب مصالح وخير دليل
    شناقا سماسرة لوبيات شكاره م.تحرير محروقات تجاره خوصصه شمرو على سواعدهم ضاعفو اثمان مداخيل واصبحو لايفرق بين ماهو حلال وماهو حرام طمست عقولهم مات ضميرهم وأصبحت مصلحتهم فوق القانون والقوي ياكل ضعيف الدي صنعناه نحن باصواط نتخابه غرغري ولاتغرغري اغراس معقول بلا بلا بلا بلا باعو الدين بلغو المواطن الان يخططون لبيع الوطن لاعداء كم بعلم الجميع عدد.من تجار الدين لم نسمع يوما يخرجو لشارع ضد مرتزقه بوزباليو او ضد جيران سوء بل يعانقوهم وبستضيفهم.في بيوتهم نعلت الله عليهم الى يوم الدين

شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني