نشأتي والمجتمع

 

بقلم : محمد حسيكي

 

بالرغم من أنني تنسمت الحياة، قبل أن يتنسم بلدي عبق الحرية والاستقلال، فإنني من استقلاله، اتخذت قبلة التعليم الوجهة لرؤية المستقبل الذي وضع البلد حجره الأول، لأجيال العهد الجديد ذكورا وإناثا، عهد الحياة الدولية المعاصرة بالسواسية من حقوق الإنسان الاجتماعية القائمة على حياة كريمة من بلد أمين، وتبقى صيرورة الحياة بيني وبين البلد، أنني أشيخ وتستمر الحياة، بينما البلد يزداد نموا وتصاعدا، طبعا بالأجيال التي هي عصب الحياة بالمجتمع .

ينسب مولدي إلى الزمن الفضائي من دورة الأرض دورة قمرية، مركبة الصغر من الدورة الشمسية باليوم والسنة من الاستواء إلى الأفق بالدورة الشهرية، التي تلتقط من الاستواء يوما، ومن الفضاء شهرا، وهو النواة الحية الذي يعيش فيها الحمل فترة استكمال النشأة من بطن الأمومة، ليستقبل الحياة في أحضانها جنبا إلى جنب بين ثدييها، إلى حين الحباء والفطام، والخطى بالهوينة، سيرا بالحياة المتوارثة بالفطرة والعقل، الذي نحيا منه حياة اجتماعية عامة

الوسط البيئي :

كان مولدي من بيئة زراعية، تعلمت فيها القراءة التمهيدية من الكتاب القرآني، ثم انتقلت إلى الوسط الحضري للدراسة بالتعليم العمومي .

رأيت وقتها الوسط الحضري شبه قروي الساكنة رجالا ونساء يغلب على هندامهم الجلباب التقليدي، مرتبطين من وجهة الشغل بالمجال الزراعي، وأشغال البناء، والحرف اليدوية التقليدية، والخدمات الحرة، منهم من يشتغل بالسقاية لجلب الماء إلى دور الساكنة، ومنهم من يعمل مرشدا للوافدين القرويين الذين يبحثون عن عناوين المهاجرين، من ذويهم وأهلهم بالوسط من الأحياء العتيقة والدروب الآهلة .

تم ولوجنا إلى الدراسة بشوق كبير من الأهالي والأبناء، لأن القراءة بالمحفظة والأوراق وأقلام الحبر، شيء جديد في الحياة التعليمية، عن حصير الكتاب واللوح الخشبي وقلم الصمغ العربي .

الوسط الحضري :

كنا نسكن المدينة العتيقة، وهي من وقتها لازالت أزقتها ترابية غير مرصفة، وبيوتها وآجور الفخار والطين، تتزين البيوت من الداخل بالجبص والإنارة الكهربائية، ومن جنبات ساريات السكن حاويات الماء الحلو، إلى جانب البئر المنزلية، يتم الحصول على الماء الحلو بواسطة القراب الذي يحمل الجراب على ظهر ذابة صغيرة قنوعة بالقليل من العلف، والتي إذا ما ارتفع استهلاكها دفع بها إلى السوق ليجلب صغيرة مكانها .

بينما يتوفر الدرب على مرحاض عمومي وسقاية عمومية وسويقة يومية للخضر واللحوم والخبازة والحساء إلى جانب دكاكين المواد الغذائية، يختلط بالزقاق الراجلين ومستعملي الدراجات العادية، بالعربات اليدوية والمجرورة بالذواب، وقليل من سيارات التاكسي والخواص، نلتزم في الطريق المدرسي جنبات الحائط من فصل الشتاء، ونلعب جماعيا من فصل الصيف وسط الطريق حين يخف السير ليلا، بينما نقضي عطلة الأسبوع جنبات الملعب البلدي للفرجة من فرق الأحياء المتبارية .

كان التعليم يدوي بالأصوات الجماعية من جنبات المدرسة بالقراءة المرتفعة، من ترديد الأناشيد الوطنية، وينتهي الموسم الدراسي بتوزيع الجوائز ألتشجيعية، وإقامة الحفل المدرسي الذي يتخلله تقديم أقمصة إلى التلاميذ من أسر ضعيفة .

لكن الطريف في حياتنا الاجتماعية من الفترة التعليمية، أننا كنا نلمس الحياة تتطور من أواني وأفرشة ومستلزمات البيت الترفيهية من تلفاز وثلاجة، ومن أدوات ومناهج المدرسة والإنارة العمومية بالساحة الحضرية، إلى أن بلغنا سن المراهقة، وهو السن الذي يفصح فيه الفرد عن هويته ونظرته المتطلعة إلى الحياة الفضلى، والتي غالبا ما تكون مسايرة لذوق الجيل

الحياة العملية :

هي حياة الفرد من الوسط الاجتماعي الفترة التي يبحث فيها الإنسان عن الشغل الذي يرسم أمامه طريق المستقبل، أولا لتخفيف العبء عن الأسرة والعون لها، أو الاكتفاء عنها .

لكن في مجتمعنا المغربي العون الأسري واجب تربوي، خاصة وأن أولياء الأسر جلهم ينحدر من وسط زراعي تربوا على مبادئ الأسر المتعايشة على الحياة الجماعية بما فيها من التكافل الاجتماعي، الذي يأخذ فيه الكبير بيد الصغير، وذي المقدرة بيد الضعيف .

ومن هاته الأرضية الاجتماعية، التي يرعى فيها الكبير عيش الصغير، نهج الملك الحسن الثاني سياسة زراعية، اعتمدت بناء السدود لحماية المناطق الزراعية من الفيضانات، ومن العطش سنوات الجفاف وكذا الحد من الهجرة القروية نحو المدن، ودور هاته السدود في تغيير وجه العالم القروي بالانتاجية المطلوبة بالسوق الدولية، إلى جانب دورها في تحسين نوعية التغذية بالحياة القروية، التي تنعكس على معيشة الفلاح بالفواكه والخضروات، بدل الخبز والشاي، الذي طبع حياة إنسان المناطق الجافة بفقر التغذية، كما توفر تلك السدود من محولاتها الكهرباء الحضرية وماء الشرب لساكنة المدن .

وهكذا صار التنامي يسري في حياة الفرد والمجتمع، وانتقلت الكهرباء من الحواضر إلى القرى، واقتصاد الماء من السقي الانسيابي، إلى المغرب الأخضر عبر التنقيط الموضعي من عهد الملك محمد السادس، الذي عوض إنتاجية الطاقة من السدود بإقامة محطات الطاقة المتجددة،وواجه التحول المناخي الجاف الذي ضرب المغرب بمحطات تحلية مياه البحر للري والشرب .

ومن الوجهة التقنية تطور العمل الإداري من الورقي إلى الرقمنة، كما تطور العقل البشري، إلى العمل باستخدام الذكاء الاصطناعي والعمل على الحد من البطء الإداري الذي يطبع العمل اليدوي .

وهكذا لمس التغيير الاجتماعي حياة الأبناء عن حياة الآباء، كما لمس التطور حياة الفرد من انتعاشة الحياة بالمجتمع الذي فتح المجال للاستثمار بإقامة مناطق صناعية خارج المدن، ودعم المقاولات الذاتية لتنشيط حياة الفرد بالمجتمع عن طريق التكوين والتكوين المستمر الذي يساير التطور الذي يسرع بالعمل والإنتاج، وكذا النهوض بحياة الفرد الذي يجدد شريان الحياة بالمجتمع وآليات عمله .

تلكم مقتضبات عامة من نشأة الفرد، الذي تعود به الحياة إلى الذاكرة، بعد أن عاصر نشأة المجتمع الذي ينظر إلى مسيرة الحياة من تطلعات دولية، يتسلق بها المراتب السابقة في كل المجالات الدولية، مقارنة بنظرائه من المجموعة القارية، التي تشتغل عملية بالمعايير العلمية التي يراهن عليها المجتمع الدولي .

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني