بلاغ ترويجي في توقيت مرتبك… حين يصبح “جلب المؤثرين” غطاء لتفادي الأسئلة الحقيقية

تزامنا مع النقاش العمومي حول تدبير المال العام وشفافية الترويج المؤسساتي، خرج المكتب الوطني المغربي للسياحة ببلاغ احتفالي يحاول من خلاله إعادة رسم الصورة وتوجيه الأنظار.

لكن بلاغ المكتب الوطني المغربي للسياحة، بدل الإجابة الصريحة عن أسئلة الشفافية، ومعايير الصفقات، وأولوية دعم الإعلام المهني في المغرب، اختار الاحتماء بخطاب إنشائي واسع عن “مغرب الملاعب والفنادق والبنيات التحتية”، وكأن الزخم الكروي قادر وحده على طمس النقاش المشروع حول الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وبعيدا عن أي تشويش على قيمة الحدث الرياضي القاري أو التقليل من نجاح تنظيم كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، يظل من الضروري الفصل بين الاحتفاء المشروع بالإنجاز الرياضي، وحق الرأي العام في مساءلة مؤسسة عمومية عن كيفية صرفها للمال العام.

فالمكتب الوطني المغربي للسياحة ليس فوق النقد، ولا يمكن أن تتحول كرة القدم إلى مظلة تُعفى تحتها القرارات المالية من المحاسبة والشفافية. ومساءلة مدير المكتب ووزيرة السياحة لا يعني أبدا ضرب صورة المغرب ولا التشويش على إشعاعه، بل فتح نقاش مسؤول حول معايير اختيار الصفقات، وجدوى بعض الحملات الترويجية، وأسباب تهميش الإعلام المهني مقابل تضخيم أدوار مؤثرين بلا أثر حقيقي. لأن حماية الحدث الرياضي تمر أيضاً عبر حماية المال العام من أي تبذير أو توظيف غير مبرر.

ما صدر عن المكتب الوطني المغربي للسياحة في هذا البلاغ ليس مبادرة تواصلية عادية بقدر ما هو محاولة واضحة لترميم صورة مهزوزة، والالتفاف على موجة انتقادات متصاعدة رافقت تدبيره لملف “الترويج السياحي” المرتبط بكأس إفريقيا للأمم 2025.

فالبلاغ، بصيغته الاحتفالية ولغته المنمقة، يتعمد القفز على أسئلة جوهرية يطرحها الرأي العام والمهنيون والإعلام، ويختزل النقاش في سرد إنجازات عامة يعرفها الجميع: ملاعب عصرية، فنادق، مطارات، وبنيات تحتية… وهي معطيات لا فضل حصري فيها للمكتب، بل هي ثمرة استثمارات استراتيجية للدولة على مدى سنوات، وبمجهود مؤسسات متعددة، أمنية، ترابية، رياضية، ومالية.

الأخطر في هذا البلاغ أنه يتعامل مع “صناع الرأي” و”المؤثرين” كحل سحري لتلميع الصورة، دون أي توضيح شفاف حول معايير الاختيار، كلفة الاستضافة، طبيعة العقود، ولا مردودية هذه العمليات على السياحة الوطنية. وهو ما يعيد إلى الواجهة الجدل القائم حول صفقات تواصلية غامضة أُنجزت خارج منطق طلبات العروض، ووجهت لمؤثرين، في وقت تعاني فيه صحف وطنية ومؤسسات إعلامية مهنية من الإقصاء والتجفيف الإشهاري.

كما أن المكتب، وهو يتحدث عن “مغرب حديث وديناميكي”، يتجاهل عمداً أن الترويج الحقيقي لا يُبنى بالاستعراض، بل بالمصداقية. فصورة المغرب في كأس إفريقيا لا يصنعها فيديو مؤسساتي ولا جولة مؤثرين، بل يصنعها التنظيم المحكم، الأمن، البنية التحتية، كفاءة الأطر، وحسن استقبال الجماهير، وهي عناصر يشهد بها الجميع وتدبرها جهات أخرى غير المكتب.

ثم إن تحويل كأس إفريقيا إلى منصة دعائية لتغطية اختلالات التدبير، بدل اعتبارها فرصة للمحاسبة والتقييم، يطرح سؤالاً مشروعاً:
هل الهدف فعلاً خدمة السياحة الوطنية، أم امتصاص الغضب وتبييض الصورة قبل اتساع دائرة المساءلة؟

البلاغ أيضاً يتفادى الحديث عن العدالة الإعلامية، وعن سبب حرمان منابر وطنية من حقها الطبيعي في مواكبة هذا الحدث والاستفادة من شراكات مؤسساتية، مقابل الانفتاح السخي على مؤثرين أجانب لا يعرف بعضهم حتى أساسيات البلد الذي “يروج” له.

باختصار، ما حاول المكتب الوطني المغربي للسياحة تقديمه كـ”رؤية استراتيجية”، يقرأه كثيرون اليوم كـبلاغ دفاعي متأخر، جاء بعد فوات الأوان، ولم يجب عن السؤال المركزي:
من يراقب المال العام؟ ومن يحاسب على اختيارات تواصلية تفتقد الشفافية، في لحظة كان يفترض أن تكون عنواناً للثقة لا للشك؟

الترويج الحقيقي للمغرب لا يحتاج إلى تلميع، بل إلى تدبير نزيه، تواصل ذكي، واحترام للعقل الجماعي للمغاربة. وما لم يتم فتح هذا الملف بشجاعة، فإن أي بلاغ، مهما كان براقاً، سيبقى مجرد محاولة لتجميل واجهة، بينما الخلل في العمق.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني