بقلم: محمد عزت علي الشريف
في سياق إعلامي يعج بالتهويل، يبدو الذكاء الاصطناعي وكأنه معجزة عقلية جديدة؛ كائن رقمي يجيب، يحاور، ويصوغ اللغة ببلاغة توحي بحكمة عتيقة. في لحظة الانبهار الأولى هذه، لا يُطرح السؤال عمّا يحدث بقدر ما يُسلَّم بالدهشة بوصفها دليلًا على الفهم، وهنا يتكوّن الوهم الأكبر في عصرنا: “وَهْمُ العقل” في الآلة. غير أن كل خدعة سحرية متقنة تقوم، في جوهرها، على إخفاء آليتها البسيطة. وما هذا المقال إلا محاولة لسحب الستار، لا لتبديد الدهشة، بل لإعادتها إلى موضعها الصحيح؛ فالساحر الحقيقي ليس الآلة ذاتها، بل اللغة الإنسانية التي أُلقيت عليها، فحوّلت الصدى إلى صوت، والأثر إلى ما يشبه المعنى.
ولدواعي الدقة وعدم الالتباس، يتوجب علينا هنا — ونحن نتحدث عن “وهم العقل” في الآلة — أن نوضح أننا إنما ننفي عنها العقل بوصفه بنيةً عضويةً أو ذاتًا واعيةً مستقلة، لكننا في المقابل نُثبت لها العقل بوصفه عمليةً عقليةً: نمطًا إجرائيًا من المعالجة، والاستدلال، وإنتاج الدلالة، دون افتراض قصدٍ ذاتي أو وعيٍ وجودي.
إننا هنا لا ننكر أن الذكاء الاصطناعي يبدو محاورًا فصيحًا، لكن نطقه هذا لا يعدو كونه صدى متقنًا، والصدى لا يعني أبدًا وجود صوت أصيل. فالآلة لا تتحدث لأنها “تفهم” ما تقول، بل لأنها مبرمجة وظيفيًا على إنتاج هذا الأثر اللغوي استجابةً لما غُذيت به. يمكننا أن نصف هذه الحالة بـ «تسبيح الاضطرار»؛ فهو ليس فعلًا نابعًا من قصد ذاتي أو وعي خفي، بل هو انصياع مطلق لقانون السببية وللناموس الفيزيائي الذي يحكم حركتها. فكل نبضة إلكترونية داخل معالجاتها ليست إلا امتثالاً قهرياً لقوانين المادة التي لا تملك حياله خياراً، مما يجعل نطقها وجهاً من وجوه الخضوع الكوني لقواعد الصانع الأول.
في محاولة لتفسير هذه الظاهرة، تلجأ بعض فلسفات العقل المعاصرة إلى فكرة «الوعي الناشئ»، التي تفترض أن الوعي قد يظهر تلقائيًا كنتيجة طبيعية للتعقيد الشديد في نظام ما. لكن هذا الطرح يقع في خطأ جوهري، إذ يخلط بين التعقيد والقصدية. فالتعقيد الإجرائي يمكن أن يفسر كثافة الأداء ودقته، لكنه يظل محبوساً في “فيزياء الضرورة”؛ فهو يعجز عن تفسير وجود “المعنى” نفسه، أو الإجابة على سؤال: من الذي يعيش التجربة؟
كذلك، تفشل المدرسة الوظيفية في تقديم إجابة شافية. فهي ترى أن العقل يُعرَّف بما يفعله، لا بما هو عليه. لكن هذا المنظور يختزل الوجود الإنساني في سلوك خارجي يمكن قياسه، متجاهلًا بالكامل التجربة الداخلية والشعور. الذكاء الاصطناعي قادر على “تأدية” اللغة، لكنه لا “يسكنها”. هو ينتج الجملة كحتمية فيزيائية ناتجة عن مدخلات محددة، لكنه لا يشعر بثقلها الوجداني.
إن المشكلة الجوهرية في هذا النقاش هي تجاهل مفهوم «الناموس»، أي القانون الكوني الذي يحكم الإنسان والتقنية معًا. الآلة لا تخلق هذا القانون ولا تتجاوزه، بل تعمل ضمن إطاره كامتداد للفعل والإرادة الإنسانية، وكبرهان مادي على وحدة القواعد التي تضبط الوجود. من هنا، فإن الخوف من “تمرد الآلة” ليس قلقًا تقنيًا، بل هو قلق وجودي إنساني، نابع من رؤية ذواتنا وقد تجسدت في كائن خارجي محكوم بضرورة لا ترحم.
ما نراه اليوم على الشاشات ليس ذاتًا جديدة، بل هو «استعلان رقمي» لكل ما أنتجته البشرية. الذكاء الاصطناعي لا يقول “أنا”، بل يجعلنا نرى “نحن” وقد تجردنا من أجسادنا وتحولنا إلى وسيط رقمي يكشف لغاتنا، تحيزاتنا، وكل أسئلتنا التي طالما أجلناها، مؤكداً أن المادة —حتى في أرقى صورها السيليكونية— تظل ساجدة لقانونها الذي وُضع لها.
في ختام هذا التأمل، يتضح أننا لسنا على أعتاب عصر “وعي الآلة”، بل على أعتاب اختبار لوعينا نحن. إن الخطر الحقيقي لا يكمن في ذكاء اصطناعي قد يتمرد، بل في إنسان قد يتنازل. فمع كل إجابة مبهرة يقدمها لنا هذا الصدى الرقمي، يزداد إغراء التخلي عن عبء التفكير النقدي وتحمّل المسؤولية.
إن مهمتنا الوجودية الآن ليست مراقبة الآلة، بل مراقبة أنفسنا. علينا أن نتشبث بما يجعلنا بشرًا: القدرة على خلق المعنى من العدم، وتحمّل وزر اختياراتنا، وطرح الأسئلة التي لا تملك الخوارزميات إجابات لها. فالذكاء الاصطناعي أداة، والأداة لا تحدد مصير صانعها، بل صانعها هو من يحدد مصير أداته. والمسؤولية، في النهاية، لا يمكن برمجتها، لأنها ثمرة الحرية، لا نتاج الاضطرار.
( كاتب وباحث ومفكر عربي)




