عندما يستغيث الإنسان من غيث السماء

 

بقلم : بوشعيب حمراوي

لم تكن السيول التي اجتاحت الأراضي الفلاحية والغابات والمنازل والأحياء وقبور الأموات مجرد غضبة طبيعية عابرة، بل كانت حصيلة ثقيلة لتراكم أخطاء بشرية ممتدة في الزمن. ما وقع مؤخراً في القصر الكبير ليس استثناءً، بل جرس إنذار مدوٍّ يفضح هشاشة اختياراتنا في التخطيط، وسوء تدبيرنا للماء، وغياب المحاسبة قبل فوات الأوان.
لقد نزل الغيث… لكنه لم يكن غيثاً لكل الناس؛ شرد أُسراً وأفقر أُسراً، وأسقط بيوتاً فوق أحلام ساكنيها، وعبث حتى بالقبور. لأن الأرض خُذلت قبل أن تمطر السماء.
لا يمكن إنكار أن سياسة بناء السدود، التي يرجع الفضل في إطلاقها الاستراتيجي إلى الملك الراحل الحسن الثاني، أنقذت المغرب من سنوات عجاف ووفرت الأمن المائي والفلاحي والطاقي. غير أن النجاح في البناء لم يُواكبه نجاح مماثل في الصيانة والتدبير.
فالسد ليس جداراً فقط، بل منظومة حية تحتاج إلى صيانة دورية وتنقية من الترسبات التي تُفقده طاقته الاستيعابية؛ و إلى خطط دقيقة لتصريف المياه الفائضة في حالات الذروة؛ و إلى ربط وظيفته بالسقي والكهرباء وبالسلامة المائية للمدن والقرى الواقعة أسفله.
أخطاء بشرية راكمت الكارثة
الفيضانات لم تكن قدراً أعمى فقط، بل نتيجة منطقية لتراكم اختلالات، من بينها، غياب التحكم في مجاري الأودية ومصباتها في البحر، و أودية تُركت دون حماية، أو اغتُصبت بالإسمنت والبناء، فضاق المجرى وانتقم الماء حين وجد طريقه مسدوداً. و ضعف صيانة السدود والمنشآت المائية. إضافة إلى ترسبات غير مُزالة، وتجهيزات تصريف غير مهيأة لسيناريوهات الفيض، وغياب تدبير تقني يُراكم المخاطر بدل تفريغها بأمان، وهشاشة شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، وقنوات مسدودة، بالوعات غائبة أو مكسورة، غياب الدراسات الهندسية في الطرقات، وخلط خطير بين شبكات الصرف الصحي ومياه الأمطار، عشوائية الربط الفردي والجماعي داخل الأحياء، تمديد شبكات خُصصت لحي واحد لتغذية أحياء أخرى، دون احترام الصبيب والتدفق، فينتج الضغط ثم الانفجار، البناء في مجاري السيول ومنح الرخص دون دراسات، رخص تُمنح بلا خرائط مخاطر، وتخطيط يتحول إلى ورق، والوقاية إلى شعارات.
ومن بين أخطر الأخطاء البشرية التي لا يُلتفت إليها إلا عند وقوع الكارثة، عمليات ردم البرك المائية الطبيعية (الضايات)، تلك الفضاءات التي كانت تؤدي وظيفة بيئية حيوية في امتصاص مياه الأمطار وتخفيف الضغط عن الأودية والمجاري الكبرى. والتي تحولت على ضيعات فلاحية ومنتزهات سياحية وتجزئات.
لقد جرى التعامل مع هذه الضايات باعتبارها «أراضي فارغة» صالحة للبناء أو التجزيء، بينما هي في الحقيقة خزانات طبيعية مؤقتة أنشأتها الطبيعة لحماية النبات والإنسان وحتى باقي الكائنات الحية. قبل الإسمنت
الأودية والمجري تحن لأحواضها مجاريها
.
الأخطر من ذلك، هو الزحف الإسمنتي على أحواض الأودية ومجاريها الطبيعية، بل وحتى على الملك العمومي المائي للبحار، في خرق صارخ لقوانين التعمير وحماية الموارد المائية، وقبلها قوانين الطبيعة، التي تؤكد على أن الأودية والأنهار المائية الطبيعية غالبا ما تحن لأحواضها ومجاريها ومصباتها، وتنتظر فرصة أي موسم أمطار كثيف لتعود إليها بسيول جارفة، تسعى من خلالها إلى إعادة التوازن والاستقرار الطبيعي الذي خرقه الإنسان.
فكل ما يقيمه البشري فوق المجاري والمصبات وأماكن تجمع مياه الأمطار، يبقى تحت تهديد دائم. كما أن المياه التي تُجبر على تغيير مسارها الطبيعي، تجد طريقها إلى مناطق أخرى فلاحية أو مأهولة.
إن تحويل مصبات الأودية ومجاري المياه عن مساراتها الأصلية، دون دراسات هيدرولوجية دقيقة، يتسبب عاجلا أم آجلا في اختلال في التوازن المائي والبيئي والطبيعي.
إذ تصيبها بفيضانات في أماكن لم تعرفها من قبل، تتلف محاصيل وتدمر بيوت في مناطق كانت تُعتبر آمنة. كما أن الماء ( كأي كائن حي )، لا ينسى طريقه، وإن أُجبر مؤقتاً على الانحراف وتغيير مساره.
فالماء لا ينتقم بدافع الغضب، بل بدافع الضرر الطي لحق الفيزياء. وحين نردم الضايات، ونغتصب الأودية في جوفها ومساراتها، ونحتل الملك العمومي المائي، فإننا لا نُخضع الطبيعة… بل نؤجل حسابها. لأنه لايمكن للإنسان أن ينتصر على الطبيعة. وطبعا يأتي الحساب، فتكون فاتورته غرقاً، وانهياراً، وإتلافا للممتلكات و تشريداً.
يقع كل هذا، بسبب ما يغمر العقل البشري من عظمة واهية، وأفكاربئيسة. تجعله يغرق في رؤى ومخططات فاشلة.
يقع هذا عندما يصبح لديه، فائض أخطاء، وفائض جشع، وفائض استخفاف بذاكرة الأرض ونظامها الطبيعي.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني