أبو يحيى
عاد حميد المهداوي ليطل عبر نافذته الافتراضية ممارسا هوايته في الركوب على المآسي ومستغلا فاجعة الفيضانات بمنطقة الغرب والقصر الكبير لينصب نفسه فقيها للأزمات ومفتيا للديار المنكوبة يوزع صكوك التكفير والاتهام بالانتحار على مواطنين بسطاء وجدوا أنفسهم محاصرين بين سيول المياه وبين ضياع شقا عمرهم المتمثل في رؤوس ماشية هي كل ما يملكون.
لقد تجاوز إمام هركاوة كل الحدود الأخلاقية في شريطه الأخير حين أصدر حكما غيابيا على المتضررين الذين تعذر عليهم إخلاء منازلهم أو تشبثوا بحماية ممتلكاتهم واصفا فعلهم بالانتحار المحرم شرعا ومُتهمهم بالجحود في سقطة مدوية تكشف عن جهل مطبق بظروف العيش في العالم القروي واحتقار دفين لمعاناة الفلاح البسيط الذي تمثل بقراته ونعاجه وجوده الاقتصادي والاجتماعي.
يفضح حديث الفهماوي عن الأبقار والأغنام وسط مدينة القصر الكبير جهلا مركبا بالجغرافيا والسوسيولوجيا وخلطا غبيا بين المجال الحضري والدواوير القروية في سهول الغرب، مما يثبت أن الرجل يهرف بما لا يعرف وأن تحليلاته مجرد ثرثرة مقاهي يلقيها من برجه العاجي المكيف بعيدا عن وحل الواقع وطين الميدان الذي يخوض فيه الرجال الحقيقيون.
يستدعي هذا التطاول السافر طرح تساؤلات مشروعة حول الجهة التي توفر الغطاء لرموز صناعة التفاهة وتسمح لشخص فاقد للأهلية العلمية والشرعية بإصدار فتاوى تكفيرية تتهم المنكوبين بقتل أنفسهم في وقت يحتاج فيه هؤلاء إلى الدعم النفسي والمادي لا إلى الجلد اللفظي والمزايدات الرخيصة ممن يمتهن الكلام ويقتات على النقر والمشاهدات.
يعتبر المتطوع البسيط في دواوير الغرب الذي يحمل أكياس الرمل بيديه العاريتين ويخوض في الوحل ليبني حاجزا يصد الماء عن بيوت جيرانه أشرف وأنبل ألف مرة من الهضراوي وأمثاله من مرتزقة الكلام وتجار الأزمات الذين حولوا معاناة المغاربة إلى محتوى رقمي مدر للربح مكتفين بالصراخ والعويل خلف الشاشات بينما يضحي الشرفاء بصمت ودون ضجيج.
يفرض الوضع الراهن تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في حق هذا العبث الذي يهدد السلم الاجتماعي ويمس بكرامة المواطنين في لحظات ضعفهم فحرية التعبير لا تعني أبدا حرية إهانة المنكوبين ولا حرية التطاول على اختصاصات المؤسسات الدينية والرسمية وترك الحبل على الغارب لهذه الظواهر الصوتية يساهم في تمييع المشهد وتلويث الفضاء العام بخطاب الكراهية والاحتقار.




