بقلم هاني المختار
لم يكن أحد يتوقع أن تبدأ الكارثة بخطأ في التقدير. حين اتُّخذ القرار باغتيال المرشد الأعلى في إيران، بدا لصنّاع القرار في واشنطن أن الرد سيكون محدودًا، كما حدث في أزمات سابقة. كان الرهان أن الضربة ستُربك القيادة الإيرانية وتُضعف قدرتها على التصعيد، وأن المنطقة ستستوعب الصدمة سريعًا. لكن ما حدث كان العكس تمامًا. في لحظة واحدة، تحوّل التقدير إلى خطأ استراتيجي قاتل، وأُطلقت شرارة مواجهة خرجت عن كل السيناريوهات التقليدية.
جاء الرد الإيراني سريعًا وواسعًا، متجاوزًا كل الخطوط التي اعتُقد أنها حمراء. مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة انطلقت نحو قواعد عسكرية ومنشآت حيوية، لتجد دول الخليج نفسها فجأة في قلب مواجهة لم تكن ترغبها. لم تعد الحرب حدثًا بعيدًا يُتابَع عبر الشاشات، بل تحولت إلى واقع يومي يهدد الاقتصاد والبنية التحتية في آن واحد.
ومع أولى الضربات التي طالت منشآت الطاقة، بدأ النزيف الحقيقي. في دول الخليج، التي تعتمد على بيع النفط، تراجع الإنتاج بشكل حاد ليصل إلى 40%، وهو ما يعني خسائر يومية تتراوح بين مليار وملياري دولار. مع أسبوع الثاني من بدأ الحرب، تحولت الخسائر إلى عشرات المليارات، و ان استمرت الأزمة الحالية لعدة أشهر، ستتجاوز الخسائر حسب المحللين الاقتصاديين الى 300 مليار دولار في قطاع الطاقة وحده. ومع تكرار سيناريوهات تخريب المنشآت النفطية،سترتفع الخسائر للتتجاوز 450 مليار دولار.
لم تتوقف الضربات عند الاصول العسكرية لايران و امريكا بالمنطقة.. المطارات والموانئ والمناطق الصناعية أصبحت أهدافًا محتملة، ما أدى إلى شلل جزئي في النشاط الاقتصادي. تكاليف إعادة الإعمار بدأت تُحسب منذ الأيام الأولى، بتقديرات تتراوح بين 100 و200 مليار دولار، في وقت كانت فيه الخسائر غير المباشرة تتضخم بسرعة نتيجة توقف التجارة وتعطل سلاسل الإمداد. لكن الضربة الأقسى جاءت من الأسواق؛ ففي لحظة فقدان الثقة، بدأت رؤوس الأموال في الهروب، وتراجعت البورصات بنسب قد تصل إلى 40%، لتتبخر ما بين 200 و500 مليار دولار من القيمة السوقية خلال فترة قصيرة لا تتجاوز اسبوعين
هكذا، وخلال أشهر قليلة فقط، ستجد دول المنطقة نفسها أمام فاتورة ثقيلة تتراوح بين 350 و800 مليار دولار. لكن الكارثة لم تتوقف عند هذا الحد. دول المنطقة، حتى غير المنخرطة مباشرة، في هذا الصراع تعاني من صدمات اقتصادية قاسية نتيجة انهيار السياحة والتجارة و الخدمات.
غير أن الخطر الأكبر كان يتشكل بعيدًا عن ساحات القتال المباشرة، في الممر الأكثر حساسية في العالم: مضيق هرمز. هذا الشريان الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية أصبح غير ٱمن بسبب العمليات العسكرية الحالية، ومع أي اضطراب فيه، قفزت أسعار النفط إلى مستويات قد تصل إلى 150 أو حتى 200 دولار للبرميل و ربما تصل اسعار النفط الى 300 دولار مع اطالة الصراع و تدمير المنشآت النفطية. ما نراه حاليا لم يعد أزمة إقليمية، بل تحولت إلى صدمة عالمية شاملة، دفعت تكاليف الطاقة والغذاء والنقل إلى الارتفاع بشكل غير مسبوق.
في غضون أسابيع، ستمتد الخسائر إلى الاقتصاد العالمي، الذي وجد نفسه أمام فاتورة قد تصل إلى تريليونات الدولارات، في سيناريو يعيد إلى الأذهان أزمات كبرى، وربما يتجاوزها. وهكذا، ومن قرار بُني على تقدير خاطئ و متهور، انزلقت المنطقة إلى مواجهة مفتوحة لم يعد أحد قادرًا على احتوائها. لم يكن الخطأ في الضربة فقط، بل في الاعتقاد أن قواعد اللعبة لم تتغير. لكن هذه المرة، تغير كل شيء… وكانت النتيجة كارثة لا تقف عند حدود المنطقة، بل تهدد بإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي بأكمله. و اعادة رسم الخرائط الجيوسياسية في العالم.


