الأمن الوطني يفتح أبوابه للمغاربة.. حين تتحول المؤسسة الأمنية من “جهاز صامت” إلى فضاء للتواصل والثقة
لم تعد أيام الأبواب المفتوحة للأمن الوطني مجرد تظاهرة سنوية لعرض المعدات والتجهيزات الأمنية، بل تحولت، خلال دورة الرباط المنظمة بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس الأمن الوطني، إلى حدث مجتمعي كبير يعكس التحول العميق الذي تعرفه العلاقة بين المؤسسة الأمنية والمواطن المغربي.
اللافت هذه السنة لم يكن فقط حجم الإقبال الجماهيري الكبير، ولا العروض المبهرة والتكنولوجيا الحديثة التي جرى تقديمها، بل ذلك الإحساس الواضح بأن الأمن الوطني اختار أن يخرج من الصورة التقليدية المرتبطة فقط بالتدخل والزجر، نحو نموذج جديد يقوم على القرب والتواصل والانفتاح.
داخل فضاءات المعرض، كان الأطفال يلتقطون الصور مع عناصر الشرطة، والعائلات تتجول بين الأروقة بكل أريحية، فيما يشرح موظفو الأمن للزوار تفاصيل دقيقة حول عمل الفرق الأمنية والتقنيات الحديثة المستعملة في محاربة الجريمة وتأمين الفضاء العام. مشهد بدا مختلفا تماما عن الصورة النمطية القديمة التي كانت تجعل المؤسسة الأمنية بعيدة عن الحياة اليومية للمواطن.
أيام الأبواب المفتوحة كشفت أيضا حجم الرهان الذي تضعه المديرية العامة للأمن الوطني على “الأمن التواصلي”، أي بناء الثقة عبر الشرح والتفاعل وتقريب المعلومة الأمنية للمجتمع، خصوصا لفئة الشباب والأطفال الذين شكلوا نسبة كبيرة من الزوار.
ومن بين أكثر اللحظات إثارة داخل هذه الفعاليات، تلك التي وقف فيها المواطنون أمام الدرونات الأمنية الذكية، وقاعات القيادة والتنسيق، ووحدات التدخل المتطورة، وهم يكتشفون لأول مرة حجم التطور التكنولوجي الذي بلغته المؤسسة الأمنية المغربية. كثيرون كانوا يعتقدون أن هذه التقنيات لا توجد إلا في الدول الكبرى، قبل أن يكتشفوا أن المغرب يمتلك اليوم منظومة أمنية حديثة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والرصد الرقمي والتحليل الفوري للمعطيات.
لكن خلف هذا الإبهار التقني، كانت هناك رسالة أعمق تحاول المؤسسة الأمنية إيصالها: الأمن ليس فقط مواجهة الجريمة، بل أيضا بناء الإحساس بالطمأنينة والثقة داخل المجتمع.
الرسالة ظهرت بوضوح أيضا في طبيعة الندوات والأنشطة الموازية التي ناقشت قضايا المدرسة والعنف الرقمي والمخدرات والسلامة الطرقية، في تأكيد على أن الأمن المغربي بات يتعامل مع التحديات الجديدة بمنطق شمولي يتجاوز المقاربة التقليدية.
ويرى متابعون أن نجاح هذه التظاهرة يعكس حجم التحول الذي عرفته المديرية العامة للأمن الوطني خلال السنوات الأخيرة، تحت قيادة عبد اللطيف حموشي، الذي راهن على تحديث المؤسسة أمنيا وتكنولوجيا، وفي الوقت نفسه إعادة بناء صورتها داخل المجتمع على أساس القرب والاحترافية والانفتاح.
وفي النهاية، ربما يكون أكبر نجاح حققته أيام الأبواب المفتوحة هذه السنة، أنها جعلت المواطن المغربي يرى المؤسسة الأمنية بعين مختلفة: مؤسسة قوية، حديثة، متطورة، لكنها أيضا قريبة من الناس، تستمع لهم، وتتواصل معهم، وتفتح أبوابها أمامهم بكل ثقة.




