حين يتحول الحراك الشعبي إلى قوة نفسية في مواجهة القمع

 

محمود حكميان*

 

لم يعد الحراك المناهض لنظام ولاية الفقيه في إيران مجرد سلسلة من الاحتجاجات المتفرقة التي تنفجر في هذا المكان أو ذاك ثم تخمد تحت وطأة القمع. فخلال السنوات الأخيرة، برزت ملامح أكثر وضوحًا لحركة متداخلة المستويات، تتقاطع فيها الاحتجاجات الشعبية مع الأنشطة التنظيمية والتعبوية للمقاومة، وتتصل فيها الساحات الداخلية بالتحركات السياسية والجماهيرية للإيرانيين في الخارج. وتكشف الفعاليات التي شهدتها عواصم ومدن أوروبية في الفترة ما بين الأول والثامن من أغسطس/آب من هذا العام عن هذا الترابط بصورة لافتة.

فمن لندن وباريس إلى برلين وكولونيا وغوتنبرغ وأوسلو وبروكسل، خرج الإيرانيون للتنديد بالإعدامات والقمع وإحياء ذكرى مجزرة عام 1988، لكن الرسالة الأهم التي حملتها هذه التحركات تجاوزت مجرد الاحتجاج على انتهاكات النظام. لقد كانت رسالة إلى الإيرانيين في الداخل بأنهم ليسوا وحدهم، وأن ما يجري في الشوارع والسجون والمعتقلات الإيرانية يجد صدى خارج الحدود، وأن هناك قوة سياسية وتنظيمية تسعى إلى إبقاء قضية التغيير حاضرة في الوعي الإيراني والدولي في آن واحد.

وهنا تبرز أهمية الدور الذي تؤديه المقاومة الإيرانية في تنظيم هذا الحراك وتوجيهه. فالتظاهرات والمعارض والفعاليات الإعلامية ليست مجرد أنشطة رمزية منفصلة، بل تشكل، في رؤيتها، امتدادًا سياسيًا وجماهيريًا للنشاط الجاري داخل إيران. وعندما يتزامن ذلك مع تنفيذ وحدات المقاومة عشرات العمليات والأنشطة الثورية والتعبوية في الداخل، فإن الرسالة تصبح أكثر تأثيرًا: النظام يستطيع اعتقال المتظاهرين وإصدار أحكام الإعدام، لكنه لا يستطيع إخماد إرادة الرفض التي تجد لنفسها منافذ متعددة.

والبعد النفسي لهذه المعادلة ربما يكون أكثر أهميةً من أبعادها السياسية المباشرة. فالاستبداد يعتمد، إلى جانب أجهزة الأمن والسجون والإعدامات، على صناعة الخوف والإحساس بالعزلة. يريد النظام أن يقنع المواطن بأن مقاومته فردية، وأنه يواجه سلطة لا يمكن تحديها، وأن أي محاولة للرفض ستنتهي بالعزلة أو الاعتقال أو الموت. لكن ظهور نشاط منظم ومتزامن داخل البلاد وخارجها يقوض هذه المعادلة النفسية.

فعندما يسمع المواطن الإيراني عن تحرك في لندن، أو وقفة في باريس، أو معرض في برلين، أو احتجاج أمام البرلمان النرويجي، بالتزامن مع نشاط وحدات المقاومة داخل المدن الإيرانية، فإنه لا يرى مجرد أحداث بعيدة عنه جغرافيًا، بل يمكن أن يراها بوصفها أجزاءً من مشهد واحد. وهذا الشعور بالانتماء إلى حراك أوسع قادر على كسر أحد أخطر أسلحة الاستبداد: الإحساس بالعجز.

ومن هنا تكتسب وحدات المقاومة أهمية تتجاوز حجم عملياتها الميدانية. فالنشاط الثوري والتعبوي الذي تقوم به، وفق ما تعرضه المقاومة الإيرانية، يهدف أيضًا إلى إبقاء فكرة المواجهة حية داخل المجتمع، ومنع القمع من تحويل الصمت إلى استسلام. وفي المقابل، يوفر الحراك الإيراني في الخارج غطاءً سياسيًا وإعلاميًا وجماهيريًا يسلط الضوء على ما يحدث في الداخل ويحول دون دفنه خلف جدران الرقابة.

كما أن مشاركة مختلف القوميات والتوجهات الإيرانية في هذه التحركات تحمل رسالة إضافية للنظام: سياسة تقسيم المجتمع وإبقائه أسير الاستقطابات القومية والمذهبية لا تستطيع إلغاء وجود أرضية مشتركة تتمثل في رفض الاستبداد والمطالبة بمستقبل ديمقراطي.

وهكذا، فإن المعركة بين المقاومة والنظام لا تجري في الشوارع الإيرانية وحدها، ولا في العواصم الغربية وحدها. إنها معركة على الوعي أيضًا؛ على قدرة الإيراني على تصديق أن التغيير ممكن. وكلما تزامن الحراك الشعبي مع النشاط التنظيمي للمقاومة، وكلما وجد هذا الحراك صدى سياسيًا وإعلاميًا خارج البلاد، تراجعت قدرة النظام على احتكار رواية الواقع وإقناع المجتمع بأن القمع قد أنهى المعارضة.

في النهاية، قد تستطيع آلة القمع فرض الصمت لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع بسهولة فرض الاقتناع. وما يراهن عليه الحراك المنظم للمقاومة هو تحديدًا تحويل الرفض من شعور فردي خائف إلى وعي جماعي متماسك؛ ومن هنا تصبح كل عملية مقاومة، وكل احتجاج، وكل حملة إعلامية، وكل تجمع في الخارج، جزءًا من معركة أكبر: معركة استعادة الإيرانيين لثقتهم بقدرتهم على كسر جدار الخوف وصناعة التغيير.

 

*عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني