تجد فرنسا نفسها أمام مشهد يطرح أسئلة محرجة حول حدود الديمقراطية وحرية الاحتجاج، بعدما تحولت مظاهرات تلاميذ الثانويات، المطالبين بتحسين ظروف الدراسة وتوفير المدرسين والموارد اللازمة للمؤسسات التعليمية، إلى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن، خلفت إصابات خطيرة في صفوف قاصرين، وأعادت إلى الواجهة النقاش حول طبيعة تعامل الدولة الفرنسية مع الاحتجاجات الاجتماعية.
فخلال الأيام الأخيرة، انتشرت صور ومقاطع مصورة لتدخلات أمنية عنيفة ضد تلاميذ، من بينها إصابات بليغة تعرض لها قاصرون جراء استخدام وسائل تفريق المتظاهرين.
فقد أصيب تلميذ يبلغ من العمر 15 سنة في مدينة لانس، بعدما فقد إحدى يديه إثر انفجار قنبلة صوتية، كما أصيب تلميذ آخر يبلغ 16 سنة بالعمى في إحدى عينيه، بينما تعرض قاصر يبلغ 14 سنة لكسر مزدوج في الفك بعد إصابته بمقذوف أطلق من مسافة قريبة.
هذه الوقائع تتجاوز مجرد خلاف حول تدبير مظاهرة أو إعادة فتح أبواب مؤسسة تعليمية، لأنها تضع السلطات الفرنسية أمام سؤال جوهري: كيف يمكن لدولة تجعل من حقوق الإنسان والحريات العامة جزءا أساسيا من خطابها السياسي أن تسمح بوصول المواجهة بين قوات الأمن وتلاميذ قاصرين إلى هذا المستوى من الخطورة؟
لا يتعلق الأمر هنا بإنكار حق الدولة في حماية الممتلكات العامة وضمان سلامة المواطنين، لكن تطبيق القانون لا يمنح فرنسا تفويضا مفتوحا لاستعمال القوة، خصوصا عندما يكون الأمر متعلقا بأطفال ومراهقين خرجوا إلى الشارع للتعبير عن مطالب ترتبط بمستقبلهم الدراسي.
وتكمن خطورة المشهد في أن الاحتجاجات لم تنشأ من فراغ. فقد رفع التلاميذ في البداية مطالب تتعلق بنقص المدرسين، والاكتظاظ داخل الأقسام، وتدهور البنية التحتية لبعض المؤسسات التعليمية، وضعف الموارد المتاحة للتعليم. وهي قضايا تمس صميم الحق في التعليم، وتستدعي نقاشا سياسيا وتربويا جديا، لا أن تختزل في المقاربة الأمنية وحدها.
وقد ساهمت مشاهد الإصابات والتدخلات الأمنية المتداولة في توسيع دائرة التضامن مع المحتجين، بعدما تجاوز النقاش مطالب المدرسة ليشمل أسلوب تعامل السلطات مع الشباب وحقهم في الاحتجاج السلمي. كما أثارت أعداد التوقيفات، التي شملت آلاف الأشخاص ونسبة كبيرة من القاصرين، تساؤلات إضافية بشأن مدى تناسب الإجراءات الأمنية مع طبيعة التحركات التي شهدتها البلاد.
وفي مواجهة الانتقادات، أعلنت السلطات الفرنسية فتح تحقيقات بشأن عدد من التدخلات، كما قررت تعليق استخدام نوع من القنابل الصوتية خلال الاحتجاجات، عقب الإصابة البليغة التي تعرض لها التلميذ في لانس. غير أن هذه الإجراءات لم تنه الجدل بشأن المسؤوليات، ولا بشأن الحاجة إلى مراجعة أساليب تدبير الاحتجاجات التي يشارك فيها قاصرون.
إن الاختبار الحقيقي لأي نظام ديمقراطي لا يظهر عندما تكون الشوارع هادئة ولا يرفع المواطنون أصواتهم، بل عندما يخرجون للاحتجاج ويطالبون بتغيير السياسات العامة.
ففي تلك اللحظات، تتجلى قيمة الحقوق والحريات في قدرة المؤسسات على حماية النظام العام دون المساس بكرامة المواطنين وسلامتهم.
فهل تستطيع فرنسا أن تقدم نموذجا ديمقراطيا في تدبير هذه الأزمة، عبر الاستماع إلى مطالب التلاميذ ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات المثبتة، أم أن القبضة الأمنية ستظل تتقدم على المعالجة السياسية والتربوية؟




