
بقلم الدكتور محمد محاسن
بتاريخ 12 أكتوبر 2026
تلخيصا
يتناول هذا المقال، من منظور جيوسياسي وجيوستراتيجي، الدلالات التي يحملها خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان المغربي في 9 أكتوبر 2026، ولا سيما ما يتعلق بالعلاقات المغربية الإسبانية وتداعيات أزمة الهجرة بسبتة.
لا يسعى المقال إلى إعادة شرح الخطاب أو تكرار مضامينه الصريحة، وإنما إلى استكشاف بنيته السياسية وتوقيته ولغته الدبلوماسية وما تنم عنه من تحولات محتملة في فلسفة تدبير المغرب لعلاقاته مع جارته الشمالية والاتحاد الأوروبي.
ينطلق التحليل من مفهوم «الصرامة الهادئة» باعتباره نمطاً من القيادة الاستراتيجية يجمع بين وضوح الموقف وضبط ردود الفعل والقدرة على المبادرة. كما يستعين بمفهومي المِيتيس والكايروس لفهم العلاقة بين ذكاء الوسائل وحسن تقدير اللحظة المناسبة للفعل لأخلص إلى أن أهمية الخطاب لا تكمن في مستوى الحزم الذي عبّر عنه فحسب، بل في اقتران هذا الحزم بإعلان مبادرة مغربية ترمي إلى إعادة النظر في أسس التعاون وتطوير الشراكة. ومن ثم أطرح سؤالاً يتجاوز الأزمة الراهنة: هل نشهد انتقالاً من الصرامة الهادئة بوصفها أسلوباً دبلوماسياً إلى المبادرة الاستراتيجية بوصفها قدرة على التأثير في شروط العلاقة مع الشركاء؟
الكلمات المفاتيح: المغرب، إسبانيا، سبتة ومليلية، الخطاب الملكي، الجيوسياسة، الجيوستراتيجية، القيادة السياسية، الصرامة الهادئة، المِيتيس، الكايروس، السيادة، المبادرة الاستراتيجية، الهجرة.
توطئة : حين يكون تحليل الخطاب بحثاً عما وراء عباراته
ليس من عادتي التوقف مطولاً عند الخطابات الملكية لتحليل مضامينها أو إعادة صياغة ما جاء فيها بوضوح يغني عن الشرح والتعليق. فالخطاب السياسي الذي يمتلك وضوح المقصد ودقة التعبير لا يحتاج بالضرورة إلى من يعيد قوله بلغة أخرى.
بيد أن بعض الخطابات تتجاوز حدود ما تعلنه إلى ما تفتحه من إمكانات للتأويل الاستراتيجي. فالكلمات لا تستمد دلالتها من معانيها المباشرة وحدها، وإنما أيضاً من سياقها وتوقيتها وترتيبها وما تقوله صراحة وما تختار ألا تقوله.
فمن هذه الزاوية يستحق الخطاب الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية في 9 أكتوبر 2026 قراءة مختلفة، خصوصاً في الشق المتعلق بالعلاقات المغربية الإسبانية وتداعيات أزمة الهجرة بسبتة.
لقد جاء الخطاب في ظرفية تميزت بتصاعد النقاش السياسي والإعلامي الإسباني حول المدينتين، وبتدخل البرلمان الأوروبي في توصيف الأزمة، وبالإعلان عن زيارة مرتقبة للملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية. ومع ذلك، لم يتخذ الخطاب شكل رد مباشر على التصريحات الإسبانية أو القرارات الأوروبية، ولم ينخرط في سجال سياسي مع الجهات التي ساهمت في تأجيج الأزمة. بل على النقيض من ذلك، لقد اختار لغة مختلفة تماما: لغة هادئة في ظاهرها، واضحة في حدودها، وحازمة في تحديد ما يعتبره المغرب مقبولاً أو غير مقبول في علاقاته مع شركائه.
وهنا يبرز السؤال الذي يؤطر هذا المقال: متى يصبح الهدوء في القيادة السياسية تعبيراً عن القوة، ومتى يتحول ضبط رد الفعل إلى وسيلة لإعادة ترتيب العلاقة مع الآخر؟
الهدوء السياسي: بين غياب الانفعال وحضور الإرادة
غالباً ما تقاس قوة المواقف السياسية، في الخطاب الإعلامي، بدرجة حدتها أو بما تتضمنه من تهديدات وتحذيرات مباشرة. غير أن تاريخ العلاقات الدولية يبين أن ارتفاع النبرة لا يعكس بالضرورة قوة الموقف، كما أن الاعتدال في التعبير لا يدل بالضرورة على ضعفه.
فالقوة السياسية لا تتجلى حصراً في القدرة على إظهار الغضب، وإنما قد تظهر أيضاً في القدرة على التحكم فيه، واختيار اللحظة المناسبة للتعبير عن الموقف، وتجنب الانجرار إلى مواجهة يحدد الآخر توقيتها وقواعدها.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة الخطاب الملكي. ففي مقابل التصريحات المتعددة التي صدرت عن مسؤولين إسبان، وما صاحبها من توظيف سياسي وإعلامي لأزمة الهجرة، لم يتبن الخطاب منطق الرد بالمثل. لم يقدم تهديداً مباشراً، ولم يعلن إجراءات عقابية، ولم يضع العلاقات الثنائية أمام خيار القطيعة. لكنه رسم حدوداً واضحة للشراكة، مؤكداً أنها اختيار سيادي والتزام إرادي لا يمكن إخضاعهما للضغط أو التهديد أو الابتزاز. هذه الصياغة تحمل دلالة تتجاوز الدفاع الظرفي عن موقف سياسي. فهي تعيد تعريف طبيعة العلاقة بين الشركاء: التعاون ليس امتيازاً يمنحه طرف لطرف آخر، ولا التزاماً أحادياً يتحمل أحدهما أعباءه بينما يحتفظ الآخر بحرية توظيفه في صراعاته الداخلية. إنه علاقة إرادية تقوم على المصالح المتبادلة واحترام القرار السيادي لكل طرف.
وبذلك يصبح الهدوء وسيلة لتثبيت الموقف دون تحويل الخلاف إلى مواجهة مفتوحة. لكن ينبغي التمييز هنا بين هدوء يستند إلى رؤية واضحة وقدرة على الفعل، وهدوء لا يعدو أن يكون تأجيلاً للمواجهة أو عجزاً عن اتخاذ القرار. فالأول يمثل اختياراً استراتيجياً، بينما قد يعكس الثاني محدودية الخيارات. ولا يمكن الجزم بطبيعة الهدوء من خلال نبرة الخطاب وحدها؛ إذ يتعين النظر أيضاً إلى القرارات والمبادرات التي تليه. ومن هنا تكتسب المبادرة المغربية المعلنة أهميتها.
من المِيتيس إلى الكايروس: ذكاء الوسائل وحكمة التوقيت
في المقال السابق من هذه السلسلة، تناولنا العلاقة بين مفهومين من الفكر اليوناني القديم: المِيتيس و الكايروس. تحيل المِيتيس إلى الذكاء العملي القادر على التعامل مع التعقيد، واستيعاب القيود، وتكييف الوسائل مع الظروف المتغيرة. أما الكايروس فيحيل إلى إدراك اللحظة المناسبة للفعل، حين تتوافر شروط تجعل المبادرة أكثر جدوى مما كانت عليه في وقت سابق.
لا يتعلق الأمر هنا بمفهومين متعارضين، بل ببعدين متكاملين من أبعاد القيادة الاستراتيجية. فالمِيتيس تجيب عن سؤال: كيف نتصرف؟ بينما يجيب الكايروس عن سؤال: متى نتصرف؟
وتكشف إدارة العلاقات الدولية أن حسن اختيار الوسائل لا يكفي دائماً لتحقيق الأهداف، مثلما أن إدراك الفرصة لا يضمن النجاح ما لم تتوافر الأدوات اللازمة لاستثمارها. في ضوء ذلك، يمكن قراءة الخطاب الملكي باعتباره مناسبة لاختبار مدى التفاعل بين هذين البعدين.
فالمغرب لم يتخل عن الشراكة مع إسبانيا، ولم يتعامل مع الأزمة باعتبارها مبرراً لإعادة تعريف الجار الإسباني بوصفه خصماً دائماً. وفي المقابل، لم يقبل أن تستمر الشراكة وفق تصور يجعل التعاون في مجال الهجرة التزاماً مغربياً مفتوحاً على مطالب متزايدة دون مراجعة الاختلالات التي تكشف عنها الأزمات المتكررة. وهذا الجمع بين المحافظة على العلاقة والمطالبة بتطوير شروطها يمثل إحدى صور الذكاء الاستراتيجي. أما إعلان تقديم رؤية جديدة للشركاء، فيطرح سؤال التوقيت: هل أصبحت الظروف مناسبة للانتقال من إدارة نموذج تعاون قائم إلى اقتراح نموذج بديل؟ إن الخطاب لا يقدم جواباً نهائياً عن نتائج هذه المبادرة، لكنه يعلن الانتقال من تشخيص الاختلال إلى الاستعداد لصياغة البديل. وهذا في حد ذاته تحول يستحق الدراسة.
الصرامة الهادئة: حين لا تحتاج السيادة إلى ضجيج
تقوم الصرامة الهادئة، كما سبق أن اقترحنا في تحليلنا السابق، على الجمع بين أربعة عناصر مترابطة: وضوح الغايات، وضبط ردود الفعل، ومرونة الوسائل، وحسن تقدير التوقيت. كما أن الصرامة لا تعني بالضرورة التشدد، كما لا تعني السكينة التنازل. فالقيادة التي تعرف ما تريد تستطيع أن تحافظ على وضوح موقفها دون أن تجعل الانفعال معياراً لصدقيته.
وفي هذا السياق، يكتسب تأكيد الخطاب على الطابع السيادي للشراكة دلالة خاصة. فالسيادة هنا لا تظهر بوصفها مفهوماً قانونياً مجرداً، وإنما باعتبارها قدرة على الاختيار والقبول والرفض والمبادرة. غير أن الاستقلال في اتخاذ القرار لا يعني الاستغناء عن الشركاء. بل قد يتجلى في القدرة على بناء علاقات متوازنة، تسمح بالتعاون دون تبعية، وبالاختلاف دون قطيعة. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه الدول في بيئة دولية تتشابك فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والطاقية والإنسانية. فالدولة لا تستطيع دائماً أن تتصرف بمعزل عن محيطها، لكنها تستطيع العمل على توسيع هامش حركتها داخله. ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار الصرامة الهادئة إطاراً لفهم العلاقة بين الاستقلال الاستراتيجي والانفتاح الدبلوماسي. إنها لا تقوم على نفي الآخر، بل على رفض أن يتحول التعاون معه إلى وسيلة لتقييد الإرادة السيادية.
إسبانيا ليست خطاباً سياسياً واحداً
من أهم ما ينبغي الانتباه إليه عند تحليل الأزمة ضرورة التمييز بين إسبانيا بوصفها دولة وشريكاً استراتيجياً، وبين تعدد الفاعلين السياسيين والحزبيين والإعلاميين داخلها. فالموقف الإسباني لا يتشكل من صوت واحد. هناك المؤسسة الملكية، والحكومة المركزية، والسلطات المحلية في سبتة ومليلية، والأحزاب السياسية، والمؤسسات القضائية، ووسائل الإعلام، فضلاً عن المجتمع المدني. وقد تتقاطع مواقف هذه الأطراف في بعض القضايا، لكنها لا تتطابق بالضرورة في أساليب التعبير عنها أو في كيفية التعامل مع تداعياتها. فمن الخطأ المنهجي اختزال الدولة الإسبانية في التصريحات الأكثر حدة الصادرة عن بعض الفاعلين السياسيين. كما أن انتقاد توظيف أزمة الهجرة في المنافسة الحزبية لا يستلزم افتراض أن جميع المؤسسات الإسبانية تشارك في هذا التوظيف.
وتزداد أهمية هذا التمييز بالنظر إلى أن العلاقة المغربية الإسبانية تتجاوز بكثير ملف الهجرة. فهي تشمل التعاون الاقتصادي والتجاري والأمني والثقافي، فضلاً عن المصالح الإنسانية والاجتماعية التي تربط الشعبين. ومن ثم، فإن الحفاظ على هذه العلاقة لا يتعارض مع انتقاد ممارسات سياسية محددة أو الاعتراض على بعض القرارات والتصريحات. بل إن القدرة على الفصل بين الخلاف الظرفي والمصلحة الاستراتيجية المشتركة قد تشكل أحد شروط استدامة الشراكة.
زيارة الملك الإسباني: بين الرسالة السيادية والبعد الإنساني
تتيح الزيارة المرتقبة للملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيسيا إلى سبتة ومليلية مثالاً على تعدد الدلالات التي قد يحملها الفعل السياسي الواحد. فمن المنظور الرسمي الإسباني، تنطوي الزيارة على تأكيد رمزي لموقف مدريد من سيادتها على المدينتين.
أما من المنظور المغربي، فإن هذا الحضور لا ينهي الخلاف التاريخي بشأن وضعهما، ولا يغير من طبيعة المطالبات المغربية المرتبطة بهما. لكن البرنامج المعلن للزيارة يتضمن أيضاً جانباً إنسانياً لا ينبغي إغفاله.
فمن المقرر، وفقا لما تداولته مواقع إعلامية إسبانية عديدة، أن يشارك الملك والملكة، يوم 13 أكتوبر، في مراسيم تكريم ضحايا مأساة الهجرة التي شهدتها سبتة في نهاية يوليو، وذلك بمقبرة سيدي امبارك الإسلامية. إنه جانب يستحق قراءة مستقلة عن الدلالة السيادية للزيارة.
فحين يتعلق الأمر بشباب فقدوا حياتهم في ظروف مأساوية، يصبح الاعتراف بمعاناتهم وتكريم ذكراهم فعلاً إنسانياً يمكن أن يتجاوز حدود الاختلاف السياسي. كما أنه من الممكن النظر إلى هذه المبادرة باعتبارها رسالة تعاطف مع أسر الضحايا ومع مجتمع فُجع في أبنائه.
غير أن هذا التأويل لا يعني بالضرورة أن المؤسسة الملكية الإسبانية تتبنى موقفاً مخالفاً للحكومة بشأن السيادة، أو أنها تقصد الرد على التصريحات المتشددة لبعض الأطراف السياسية. فالدلالات الإنسانية والسياسية قد تتعايش داخل الفعل الواحد دون أن تلغي إحداها الأخرى. والأهم أن إدراج التكريم ضمن البرنامج الرسمي يذكّر بأن أزمة الهجرة ليست مجرد مسألة حدود وأرقام وإجراءات أمنية. إنها أيضاً مأساة إنسانية تتعلق بأرواح بشرية وبأسر فقدت أبناءها.
ومن هنا يمكن استخلاص مبدأ أوسع: لا ينبغي للخلاف حول السيادة أن يحجب الواجب الإنساني، كما لا ينبغي للتضامن الإنساني أن يُستعمل دليلاً على زوال الخلاف السياسي.
الصمت الدبلوماسي: ما الذي يمكن استنتاجه مما لم يُقل؟
من العناصر التي تستحق التأمل أن الخطاب الملكي لم يتضمن إشارة مباشرة إلى الزيارة المرتقبة للملك الإسباني إلى سبتة ومليلية. قد يبدو هذا الغياب لافتاً بالنظر إلى حساسية التوقيت. لكن التحليل العلمي يقتضي الحذر من تحويل الصمت إلى دليل قاطع على نية سياسية محددة. فعدم ذكر حدث معين قد يعكس اعتبارات متعددة، منها طبيعة المناسبة، وترتيب الأولويات، والرغبة في عدم منح الحدث مكانة إضافية في الخطاب، أو ببساطة عدم اعتباره جزءاً من الرسالة المراد إيصالها. علما انه لا تتوافر معطيات تسمح بالجزم بأي من هذه التفسيرات. ومع ذلك، يمكن طرح فرضية تستحق النقاش.
فبدلاً من الدخول في سجال رمزي حول زيارة لم تكن قد جرت بعد، اختار الخطاب التركيز على المبادئ التي ينبغي أن تحكم العلاقة مع إسبانيا، وعلى حدود التعاون، وعلى ضرورة الانتقال إلى رؤية جديدة.
وهنا يظهر الفرق بين الرد على الحدث وإعادة تأطير النقاش. فالرد المباشر يجعل الحدث محور الخطاب. أما إعادة التأطير فتنقل الاهتمام إلى القواعد الأوسع التي تحكم العلاقة.
فمن منظور القيادة الاستراتيجية، قد تكون القدرة على اختيار موضوع الاستجابة لا تقل أهمية عن اختيار توقيتها. غير أن القيمة الفعلية لهذا الاختيار ستتضح من خلال كيفية تطور العلاقات والمبادرات اللاحقة، لا من خلال الصمت وحده.
الهجرة: من إدارة الحدود إلى مساءلة نموذج التعاون
من أبرز دلالات الخطاب أنه لم يحصر أزمة الهجرة في مسألة مراقبة الحدود. بل ربطها باختلالات في بعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية الإسبانية التي اعتبر أنها تعرقل إعادة القاصرين وبعض الأشخاص المعنيين بإجراءات اللجوء، وتسهم في تعقيد جهود مكافحة الشبكات الإجرامية. إنه تشخيص يفتح نقاشاً يتجاوز توزيع المسؤوليات عن حادثة بعينها.
فالهجرة غير النظامية ظاهرة عابرة للحدود، تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وقانونية وأمنية وإنسانية. ولا يمكن اختزالها في مسؤولية دولة واحدة، كما لا يمكن معالجتها حصراً من خلال إجراءات الضبط والمنع.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز تجاهل الالتزامات القانونية المتعلقة بحماية القاصرين وحقوق طالبي اللجوء، وهي التزامات ينبغي أن تشكل جزءاً من أي تصور جديد للتعاون.
من هنا تبرز أهمية الانتقال من منطق إدارة الأزمات المتكررة إلى منطق مراجعة الشروط التي تجعل هذه الأزمات قابلة للتكرار. فالتعاون الذي يقتصر على الاستجابة للحوادث قد يحقق نتائج ظرفية، لكنه لا يعالج بالضرورة الأسباب البنيوية للمشكلة. أما التعاون الاستراتيجي فيقتضي توزيعاً واضحاً للمسؤوليات، وتنسيقاً قانونياً ومؤسساتياً، وربطاً بين الأمن والتنمية والالتزامات الإنسانية. وهذا ما يجعل الحديث عن تجاوز النموذج الحالي للتعاون أكثر أهمية من مجرد تبادل الاتهامات بشأن الأزمة الأخيرة.
المبادرة المغربية: من الاستجابة إلى اقتراح قواعد الشراكة
لعل العنصر الأكثر قابلية للتحليل الجيوستراتيجي في الخطاب يتمثل في الإعلان عن تقديم وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية للشركاء. فهذا الإعلان ينقل النقاش من مستوى الاعتراض على الاختلالات إلى مستوى اقتراح تصور جديد للعلاقة.
ومن الضروري هنا عدم استباق مضمون الوثيقة أو افتراض أنها تتضمن إجراءات لم يُعلن عنها بعد. لكن مجرد الإعلان عن إعدادها يطرح تحولاً في منهج التعامل مع الأزمة. فبدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن النموذج القائم أو المطالبة بتصحيح بعض جوانبه، يصبح ممكناً التفكير في إطار أوسع يربط التعاون بالتنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. وهو ربط بالغ الأهمية. فالهجرة ليست قضية أمنية مستقلة عن الاقتصاد والتنمية. كما أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن ضمانه بصورة مستدامة إذا ظلت العلاقات بين الدول محصورة في تبادل الخدمات الأمنية أو في إدارة الضغوط الظرفية. إنه يحتاج إلى مصالح مشتركة تجعل استقرار كل طرف جزءاً من مصلحة الطرف الآخر.
ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم القدرة على المبادرة الاستراتيجية بوصفه امتداداً لمفهوم الصرامة الهادئة. فالصرامة الهادئة تحدد كيفية إدارة الضغوط دون انفعال أو تنازل غير محسوب. أما القدرة على المبادرة الاستراتيجية فتتعلق بإمكان الانتقال من الاستجابة لقواعد قائمة إلى المساهمة في إعادة صياغتها. والفرق بينهما ليس فرقاً في درجة الحزم، بل في مستوى الفعل. فالأولى تحمي استقلال القرار. والثانية تسعى إلى توسيع أثره. تبلغ الصرامة الهادئة نضجها حين تتحول من القدرة على امتصاص الضغوط إلى القدرة على إعادة صياغة شروط الشراكة.
من بناء القدرات الداخلية إلى توسيع هامش القرار الخارجي
ثمة بعد آخر يستحق الاهتمام، يتعلق بالعلاقة بين المحاور الاقتصادية والتنموية للخطاب وبين رسالته الدبلوماسية. فقد تناول الخطاب قضايا الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والاحتياطات الاستراتيجية. قد تبدو هذه الموضوعات بعيدة عن أزمة الهجرة والعلاقات المغربية الإسبانية. غير أن القراءة الجيوستراتيجية تسمح بالنظر إليها بوصفها عناصر مترابطة ضمن سؤال أوسع يتعلق بقدرة الدولة على اتخاذ قرارات مستقلة. فكلما تعززت قدرات الدولة الإنتاجية والطاقية والتكنولوجية، اتسعت إمكاناتها في مواجهة الضغوط الخارجية وتنويع خياراتها الاقتصادية والدبلوماسية.
لكن هذا الترابط لا يعني أن امتلاك الطموح الاقتصادي يساوي تلقائياً امتلاك القوة التفاوضية. فالأثر الاستراتيجي يتوقف على مدى تحول السياسات المعلنة إلى قدرات فعلية، وعلى درجة تنوع الشركاء والأسواق ومصادر التمويل والتكنولوجيا. ومن ثم، فإن العلاقة بين بناء القدرات الداخلية وتوسيع هامش القرار الخارجي ينبغي أن تُدرس باعتبارها فرضية قابلة للاختبار، لا نتيجة محسومة سلفاً. وهنا تظهر أهمية الربط بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية. فالاستقلال الاستراتيجي لا يُبنى بالخطاب وحده. إنه يحتاج إلى اقتصاد منتج، ومؤسسات فعالة، وموارد بشرية مؤهلة، وقدرة على الابتكار، وشبكة علاقات دولية متوازنة. ومن دون هذه المقومات، قد تتحول الصرامة إلى مجرد موقف معلن لا تسنده وسائل كافية. أما حين تتوافر، فإن ضبط النفس يصبح خياراً مدروساً لا ضرورة مفروضة.
الشراكة المغربية الإسبانية: الاختلاف دون خصومة
لعله من الخطأ قراءة الحزم الوارد في الخطاب بوصفه إعلاناً عن نهاية الشراكة المغربية الإسبانية. فالخطاب نفسه أكد أهمية التطور الذي عرفته العلاقات بين البلدين في مجالات متعددة. وهذا التأكيد ليس تفصيلاً ثانوياً. إنه يضع الخلاف الراهن داخل إطار علاقة أوسع ينبغي التمييز فيها بين المصالح الاستراتيجية المستمرة والتوترات السياسية الظرفية. فالمغرب وإسبانيا يرتبطان بمصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية يصعب اختزالها في أزمة حدودية أو سجال إعلامي. كما أن التعاون بينهما يؤثر في استقرار غرب البحر الأبيض المتوسط وفي علاقات المغرب بالاتحاد الأوروبي. لذلك فإن الحفاظ على الشراكة وتطويرها لا يتناقضان مع المطالبة بمراجعة بعض آلياتها. بل قد يكون تجديدها شرطاً لاستمرارها على أسس أكثر توازناً.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس من يستطيع فرض إرادته على الآخر، وإنما كيف يمكن للطرفين تطوير نموذج تعاون يقلل مصادر التوتر ويعزز المصالح المتبادلة.
إن العلاقة المستدامة لا تقوم على غياب الخلافات، بل على وجود آليات قادرة على إدارتها دون أن تتحول إلى أزمات متكررة. وهذا يشكل أحد المعايير الأساسية لنضج العلاقات الدولية.
عود على بدء: حين يتحول الهدوء إلى مبادرة
إن الأهمية الجيوستراتيجية للخطاب الملكي لا تكمن في حدة العبارات التي استعملها أو في حجم الانتقادات التي وجهها إلى بعض المواقف الإسبانية. بل إنها تكمن، أساساً، في العلاقة بين ثلاثة عناصر: وضوح الموقف السيادي، والمحافظة على الشراكة، والإعلان عن مبادرة لتطوير إطار التعاون. فهذه العناصر تسمح بقراءة الخطاب من منظور يتجاوز رد الفعل على أزمة الهجرة. إنها تطرح سؤالاً يتعلق بكيفية انتقال الدولة من تدبير الضغوط إلى محاولة التأثير في البيئة التي تنتجها.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الخطاب يوفر مادة غنية لتطوير مفهوم الصرامة الهادئة ضمن نظرية أوسع للقيادة السياسية. فالهدوء ليس قيمة استراتيجية في ذاته. إنه يكتسب قيمته حين يرتبط بوضوح الأهداف وبالقدرة على اتخاذ القرار وبامتلاك الوسائل المناسبة. والحزم ليس فضيلة سياسية لمجرد أنه حزم. إنه يصبح أكثر جدوى حين يخدم أهدافاً محددة، ويحافظ على إمكانات الحوار، ويتجنب تحويل الاختلاف إلى مواجهة غير ضرورية. أما المبادرة، فهي الاختبار العملي لمدى قدرة القيادة على تجاوز موقع الاستجابة إلى موقع المساهمة في صياغة المستقبل.
وفي هذا المعنى، لا ينبغي أن نبحث عن الكايروس في لحظة الانفعال أو في مجرد ارتفاع منسوب التوتر. قد يكمن الكايروس، على العكس، في إدراك أن الظروف أصبحت تستدعي إعادة النظر في أدوات التعاون دون التخلي عن الشراكة ذاتها.
إن العلاقة بين المغرب وإسبانيا تقدم، في هذا السياق، حالة جديرة بالدراسة لفهم كيفية الجمع بين السيادة والتعاون، وبين الذاكرة التاريخية والمصالح الراهنة، وبين ضبط النفس والقدرة على المبادرة.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن ننتقل إليه في المقال الثاني: كيف يمكن إعادة توزيع المسؤوليات في تدبير الهجرة بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، بحيث لا تتحول الشراكة إلى مجال للضغط المتبادل، ولا تصبح الأزمات الإنسانية أدوات للصراع السياسي الداخلي؟
ذلك أن الاختبار الحقيقي للصرامة الهادئة لا يقتصر على كيفية مواجهة الأزمة، بل يمتد إلى القدرة على معالجة الاختلالات التي تجعل تكرارها ممكناً.




