من يفتقد الديمقراطية داخل حزبه، كيف يمارسها في الحكم؟

 

بقلم الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.

 

إن جوهر الديمقراطية الحزبية لا يكمن في عقد المؤتمرات وتجديد الهياكل شكلياً، بل في ضمان منافسة حقيقية على القيادة، واحترام إرادة المؤتمرين، وإتاحة الفرصة أمام الأعضاء للتعبير عن آرائهم بحرية، بعيداً عن الإقصاء والتهميش.
فحين تتحول القيادة إلى دائرة مغلقة، وتصبح القرارات الأساسية حكراً على أشخاص بعينهم، يفقد الحزب تدريجياً دوره في تأطير المواطنين وتكوين القيادات الجديدة، ويتحول إلى أداة انتخابية هدفها الأساسي الحفاظ على المواقع والنفوذ.
ومن حق المواطن المغربي أن يتساءل: ماذا ينتظر من أحزاب لا تمارس الديمقراطية داخل بيوتها التنظيمية؟ وكيف يمكنها الدفاع عن التداول على السلطة في البلاد، إذا كانت لا تتيح التداول على القيادة في صفوفها؟
إن الديمقراطية ليست امتيازاً تمنحه القيادات لمن تشاء، بل حق تنظيمي وسياسي ينبغي أن يستفيد منه جميع الأعضاء، وفق قواعد واضحة تضمن تكافؤ الفرص والمحاسبة.
وعود انتخابية تتكرر وواقع لا يتغير.
ولا تتوقف الأزمة عند غياب الديمقراطية الداخلية، بل تمتد إلى الخطاب الانتخابي الذي اعتادت الأحزاب تقديمه للمواطنين. ففي كل استحقاق انتخابي، تتجدد الوعود بتحسين الأوضاع الاجتماعية، وتوفير فرص الشغل، وإصلاح التعليم والصحة، ومحاربة الفساد، والرفع من القدرة الشرائية، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
لكن المواطن الذي تابع تعاقب الحكومات خلال العقود الماضية لم يعد يكتفي بما يسمعه في التجمعات الانتخابية، وإنما يريد أن يرى نتائج ملموسة في حياته اليومية.
فالمتقاعد الذي يعاني من محدودية معاشه، والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل، والأسرة التي تستنزف تكاليف المعيشة دخلها الشهري، والمواطن الذي يصطدم بصعوبات الولوج إلى خدمات صحية وتعليمية جيدة، جميعهم ينتظرون تغييراً حقيقياً، لا خطابات تعيد إنتاج الوعود القديمة.
صحيح أنه لا يمكن تحميل حكومة واحدة مسؤولية جميع الاختلالات المتراكمة، لكن ذلك لا يعفي الأحزاب التي تتولى تدبير الشأن العام من تقديم حصيلة واضحة، وتفسير ما تحقق وما تعثر، وتحمل مسؤولية قراراتها أمام المواطنين.
فالمشكلة ليست في تعثر بعض السياسات، بل في تكرار الوعود من دون تقييم جدي للنتائج، أو مراجعة صريحة للأخطاء، أو تحديد واضح للمسؤوليات.
عزوف الشباب… رسالة ينبغي فهمه.ا
في ظل هذا الواقع، لا يمكن تجاهل ما يعكسه ابتعاد فئات من الشباب عن المشاركة الانتخابية من أزمة ثقة في العمل الحزبي والسياسي. فعندما يشعر الناخب بأن صوته لا ينعكس على السياسات العامة، وأن الوجوه نفسها تعود إلى الواجهة، وأن البرامج الانتخابية تتشابه في وعودها، يصبح من الصعب إقناعه بأن مشاركته ستحدث فرقاً ملموساً.
ولا يعني ذلك أن جميع الممتنعين عن التصويت يتبنون الموقف نفسه؛ فقد تتعدد أسباب العزوف بين الاحتجاج على الأداء السياسي، وضعف التأطير الحزبي، واللامبالاة، وأسباب أخرى. غير أن اتساع فجوة الثقة بين فئات من المجتمع والأحزاب السياسية يفرض على هذه الأخيرة مراجعة أساليب عملها بدل الاكتفاء بانتقاد الناخبين.
فالشباب لا يحتاجون إلى خطابات تلقّنهم دروساً في المواطنة بقدر ما يحتاجون إلى أحزاب تمنحهم فرصة حقيقية للمشاركة في صياغة البرامج والقرارات، وتفتح أمامهم أبواب المسؤولية على أساس الكفاءة والنزاهة، لا الولاء للأشخاص أو الخضوع لمراكز النفوذ.
إن استدعاء الشباب خلال الحملات الانتخابية لاستمالة أصواتهم، ثم تهميشهم بعد انتهاء الاستحقاقات، لن يؤدي إلا إلى تعميق شعورهم بأن السياسة مجال مغلق لا مكان لهم فيه.
من المسؤول عن أزمة الثقة؟.
لا يمكن مطالبة المواطنين باستعادة ثقتهم في العمل الحزبي بمجرد دعوتهم إلى المشاركة في الانتخابات، ما لم تبادر الأحزاب إلى مراجعة طريقة اشتغالها، وتجديد قياداتها، وتعزيز الشفافية، وإشراك أعضائها في اتخاذ القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالديمقراطية الداخلية ليست شأناً تنظيمياً يخص أعضاء الحزب وحدهم، بل تؤثر في نوعية النخب التي تصل إلى المؤسسات المنتخبة، وفي طبيعة القرارات التي تُتخذ باسم المواطنين.
والحزب الذي لا يتيح لأعضائه مناقشة قيادته ومحاسبتها قد يجد صعوبة في إقناع المواطنين بجدوى المحاسبة حين يتولى تدبير الشأن العام. أما الحزب الذي يضمن التداول والشفافية وتكافؤ الفرص، فإنه يقدم نموذجاً عملياً للديمقراطية التي يدعو إليها.
ولا يكفي تغيير بعض الوجوه أو تقديم أسماء جديدة خلال الحملات الانتخابية إذا ظلت آليات اتخاذ القرار مغلقة، وظلت المصالح التنظيمية الضيقة تتقدم على البرامج والمصلحة العامة.
الإصلاح يبدأ من داخل الأحزاب.
إن استعادة الثقة في السياسة المغربية تقتضي الانتقال من منطق المحافظة على المواقع إلى منطق التنافس على تقديم الحلول، ومن ثقافة الزعامة الدائمة إلى ثقافة التداول، ومن الوعود الفضفاضة إلى البرامج القابلة للتنفيذ والتقييم.
كما يتعين أن تتحول المؤتمرات الحزبية إلى محطات حقيقية للمحاسبة والتجديد، لا مناسبات لتكريس القيادات القائمة، وأن يحظى الشباب بحضور مؤثر في أجهزة القرار، لا بمجرد مواقع رمزية تُستخدم لتجميل صورة الأحزاب.
وفي المقابل، تظل المشاركة السياسية الواعية ومتابعة حصيلة المنتخبين ومطالبتهم بتفسير قراراتهم أدوات أساسية لمراقبة تدبير الشأن العام. فالديمقراطية لا تستقيم بغياب المواطنين، كما لا تستقيم بمشاركتهم الشكلية في مؤسسات لا يشعرون بقدرتهم على التأثير فيها.
لا ديمقراطية حقيقية من دون ديمقراطية حزبية.
إن السؤال الذي ينبغي أن تواجهه الأحزاب المغربية اليوم ليس فقط كيف تستعيد أصوات الناخبين، بل كيف تستعيد ثقتهم أولاً. فالأصوات قد تستميلها الوعود، أما الثقة فلا تُستعاد إلا بالممارسة والنتائج والوفاء بالالتزامات.
وحين يظل بعض القادة في مواقعهم لسنوات طويلة، وتتكرر الوعود بينما تستمر المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في إثقال كاهل المواطنين، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى قدرة هذه الأحزاب على تجديد نفسها والاستجابة لتطلعات المجتمع.
إن الديمقراطية التي لا تبدأ داخل الأحزاب تظل ناقصة، والتداول الذي لا يُمارس في قياداتها يفقد كثيراً من مصداقيته حين يُرفع شعاراً أمام المواطنين.
فهل تدرك الأحزاب المغربية أن أزمة الثقة ليست مجرد عقبة انتخابية عابرة، بل إنذار يستدعي مراجعة عميقة لطريقة اشتغالها وعلاقتها بالمجتمع؟ أم ستواصل انتظار الناخبين عند كل موعد انتخابي، من دون أن تسأل نفسها لماذا يبتعد عنها كثيرون؟.
إن مستقبل العمل الحزبي في المغرب لا يتوقف على قدرة الأحزاب على الفوز بالمقاعد فحسب، بل على قدرتها على إقناع المواطنين بأن الديمقراطية التي تدعو إليها ليست شعاراً انتخابياً، وإنما ممارسة تبدأ من داخلها.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني