أذرع إيران وما جنته على شعوبها

منى سالم الجبوري
نفوذ يتوسع خارج الحدود.. وأثمان تدفعها المجتمعات
لم يكن توسيع النفوذ الإقليمي مجرد تفصيل في السياسة الخارجية للنظام الإيراني، بل أصبح أحد مرتكزات استراتيجيته لتعزيز حضوره ومواجهة خصومه وتوسيع قدرته على التأثير في قرارات المنطقة. ومن خلال بناء شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة، استطاعت طهران أن تمد نفوذها إلى عدد من الدول العربية، غير أن السؤال الأهم هو: ما الذي جناه سكان هذه البلدان من هذه الاستراتيجية، ومن تحمّل الكلفة الحقيقية لمشروعاتها؟
لقد وفرت هذه الشبكة لإيران أدوات ضغط تتجاوز حدودها الجغرافية، لكنها أسهمت، في حالات متعددة، في تعقيد الأزمات الداخلية، وإضعاف مؤسسات الدولة، وربط الصراعات المحلية بحسابات إقليمية أوسع. وهكذا نشأت مفارقة واضحة: مكاسب استراتيجية للنظام الإيراني، تقابلها أعباء أمنية واقتصادية وسياسية تتحملها شعوب تعاني أصلا من أزمات متراكمة.
العراق: دولة تتنازعها مراكز القوة
يمثل العراق أحد أبرز الأمثلة على هذه المفارقة. فمنذ عام 2003، تعزز النفوذ الإيراني عبر علاقات سياسية وأمنية، شملت فصائل مسلحة ذات ارتباطات وثيقة بطهران. ورغم الدور الذي أدته فصائل عراقية في قتال تنظيم داعش، فإن استمرار امتلاك جماعات مسلحة قدرات ونفوذا خارج السيطرة الكاملة للدولة أثار تساؤلات جوهرية بشأن استقلال القرار الوطني.
والنتيجة أن العراق ظل يواجه صعوبة في حصر السلاح بيد مؤسساته، وفي تجنب الانجرار إلى مواجهات تخدم حسابات إقليمية لا تتطابق بالضرورة مع مصالح العراقيين. فالشعب الذي يحتاج إلى الكهرباء والمياه وفرص العمل والتنمية، لا ينبغي أن يجد نفسه رهينة صراعات تتجاوز أولوياته الوطنية.
لبنان: كلفة النفوذ والصراع
وفي لبنان، أظهرت تجربة حزب الله، المدعوم من إيران، كيف يمكن لامتلاك قوة عسكرية خارج الاحتكار الكامل للدولة أن يجعل البلاد عرضة لتداعيات الصراعات الإقليمية. وقد كشفت المواجهات التي تصاعدت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 عن حجم الكلفة التي يدفعها اللبنانيون. ووفق البنك الدولي، بلغت الأضرار والخسائر الاقتصادية الناجمة عن الصراع نحو 14 مليار دولار، فيما قدرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار.
هذه الأرقام لا تختزل الأزمة اللبنانية، التي سبقت الحرب بسنوات، لكنها توضح حجم العبء الإضافي الذي تتحمله دولة منهكة اقتصاديا. والسؤال المشروع هنا: كيف يمكن تبرير استراتيجية إقليمية ترفع باسم المقاومة، بينما يدفع المدنيون والعمال وأصحاب المصالح الصغيرة ثمن الدمار والنزوح وفقدان مصادر الرزق؟
سوريا واليمن: صراعات تتجاوز الحدود
في سوريا، دعمت طهران نظام بشار الأسد عسكريا وسياسيا، وعززت وجودها من خلال حلفاء وتشكيلات مسلحة. وأسهم تداخل التدخلات الخارجية، إلى جانب عوامل الصراع الداخلية، في تعقيد الحرب وتفاقم معاناة السكان. ومع سقوط حكومة الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، تراجع أحد أهم مرتكزات النفوذ الإيراني في المنطقة، بينما بقي السوريون أمام تحديات إعادة البناء واستعادة الاستقرار.
أما في اليمن، فقد أسهمت العلاقة بين إيران والحوثيين في تدويل جانب من الصراع، فيما أضافت الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر أبعادا جديدة إلى الأزمة. وحذرت الأمم المتحدة من أن استمرار الهجمات والتصعيد يهددان الاستقرار ويعقدان إيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.
وفي الحالتين، لا يمكن اختزال الصراعات في الدور الإيراني وحده؛ فهناك مسؤوليات محلية وتدخلات خارجية أخرى. لكن ذلك لا يلغي ضرورة مساءلة طهران عن أثر دعمها العسكري والسياسي في إطالة المواجهات أو توسيع نطاقها.
من المستفيد ومن يدفع الثمن؟
تمنح شبكة الحلفاء طهران قدرة على الضغط والمناورة وفتح جبهات متعددة، لكنها لا تضمن الاستقرار لإيران نفسها، ولا تحقق بالضرورة الازدهار للشعوب التي تنشط فيها تلك القوى. فحين تتقدم الحسابات العسكرية على التنمية، وتصبح المجتمعات ساحات لتصفية الحسابات، تتراجع فرص الاستثمار والإعمار، وتتسع دائرة الخوف والنزوح والفقر.
ولا يعني ذلك أن جميع الحلفاء مجرد أدوات إيرانية؛ فلهم حساباتهم ومصالحهم المحلية. غير أن العلاقة غير المتكافئة، حين تقترن بالسلاح والتمويل والتوجيه الخارجي، قد تجعل مصالح الدول والمجتمعات رهينة لتوازنات لا تتحكم فيها.
الخلاصة
إن المعيار الحقيقي لنجاح السياسة الخارجية ليس عدد الحلفاء المسلحين، ولا اتساع رقعة النفوذ، بل ما تحققه من أمن وازدهار واستقلال للشعوب. وإذا كانت الاستراتيجية الإيرانية قد منحت النظام أوراق ضغط إقليمية، فإن تجارب العراق ولبنان وسوريا واليمن تكشف أن هذه الأوراق قد تأتي بكلفة باهظة على المجتمعات التي تقع في قلب الصراع.
فالشعوب ليست ساحات نفوذ، والدول ليست أوراقا في لعبة إقليمية. وأي مشروع سياسي لا يضع أمن الإنسان واستقلال الدولة وحق المجتمع في التنمية فوق اعتبارات التوسع والمواجهة، يظل مشروعا يراكم النفوذ لدى السلطة، فيما يترك المواطنين أمام فاتورة الخسائر.
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحا: إذا كان الهدف المعلن هو حماية الشعوب وتعزيز مكانة المنطقة، فلماذا كانت هذه الشعوب، في كثير من الأحيان، هي التي دفعت الثمن الأكبر؟


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني