المتقاعدون في المغرب: خارج حسابات الحوار الاجتماعي؟

 

الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.

لماذا ظل المتقاعدون المغاربة، ولا سيما أصحاب المعاشات التي لم تعرف مراجعة منذ سنوات طويلة، بعيدين عن المكاسب التي أسفرت عنها جولات الحوار الاجتماعي المتعاقبة؟ ولماذا تتحول الزيادات في الأجور إلى موضوع أساسي في المفاوضات بين الحكومة والنقابات، بينما يظل تحسين معاشات المتقاعدين مطلباً مؤجلاً من جولة إلى أخرى؟.
إن المتقاعد الذي أفنى سنوات عمره في خدمة وطنه، وأدى واجباته المهنية والاجتماعية طوال حياته العملية، من حقه أن يعيش ما تبقى من عمره بكرامة، بعيداً عن القلق اليومي بشأن تكاليف الغذاء والعلاج والسكن والنقل. غير أن واقع فئات واسعة من المتقاعدين يكشف عن مفارقة اجتماعية مؤلمة: الأسعار ترتفع، والقدرة الشرائية تتراجع، بينما تبقى معاشات كثيرة جامدة أو عاجزة عن مواكبة تكاليف الحياة.
حوارات اجتماعية ومكاسب لم تشمل المتقاعدين.
لقد أسفرت جولات الحوار الاجتماعي بين الحكومة والنقابات الأكثر تمثيلية وممثلي أرباب العمل عن اتفاقات وتدابير لتحسين دخل فئات من الموظفين والأجراء. وشكل اتفاق 29 أبريل 2024، على سبيل المثال، محطة مهمة بالنسبة إلى موظفي القطاع العام المعنيين بالزيادة العامة في الأجور، التي بلغت ألف درهم صافٍ شهرياً على دفعتين.
لكن هذه الزيادة لم تشمل المتقاعدين بصورة عامة وتلقائية، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤال الإنصاف بين من لا يزالون في الحياة المهنية ومن أفنوا سنوات طويلة في العمل وأصبحوا يعتمدون على معاشاتهم لتغطية احتياجاتهم الأساسية.
وفي أعقاب جولة أبريل 2025 من الحوار الاجتماعي، أفادت صحيفة هسبريس بأن جمعيات وتنظيمات تمثل المتقاعدين انتقدت عدم صدور قرار حكومي يقضي بزيادة معاشاتهم، واعتبرت أن مطالبهم لم تحظ بالمكانة التي تستحقها ضمن أولويات التفاوض.
وهنا يحق للمتقاعدين أن يتساءلوا: إذا كان الحوار الاجتماعي يهدف إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، فلماذا لا تكون كرامة المتقاعد وقدرته الشرائية جزءاً أساسياً من نتائجه؟
معاشات جامدة في مواجهة غلاء متواصل.
إن تجميد المعاشات أو عدم مراجعتها بما يتناسب مع تطور الأسعار يؤدي، مع مرور السنوات، إلى تراجع قيمتها الفعلية. فالمبلغ الذي كان يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية قبل سنوات قد لا يكفي اليوم لتغطية نصفها، خصوصاً بالنسبة إلى المتقاعدين الذين يتقاضون معاشات محدودة ويواجهون مصاريف العلاج والأدوية ومتطلبات الحياة اليومية.
ولا يتعلق الأمر بمطالبة المتقاعدين بامتيازات خاصة، بل بضرورة حماية قدرتهم الشرائية من التآكل، وضمان حد أدنى من العيش الكريم لفئة أدت واجباتها خلال سنوات العمل، وتستحق ألا تتحول مرحلة التقاعد إلى مرحلة من الهشاشة الاجتماعية.
ومن غير المنصف أن تظل معاشات بعض المتقاعدين ثابتة لسنوات طويلة، في الوقت الذي تتغير فيه الأسعار وتتزايد أعباء المعيشة. فالمعاش ليس منحة تُمنح للمتقاعد، بل هو حق يرتبط بسنوات العمل والاشتراكات والالتزامات التي أداها خلال حياته المهنية، وفق النظام الذي ينتمي إليه.
أين دور النقابات في الدفاع عن المتقاعدين؟.
إذا كانت النقابات الأكثر تمثيلية تشارك في جولات الحوار الاجتماعي باسم الشغيلة، فمن المشروع أن يُطرح سؤال عن موقع المتقاعدين ضمن أولوياتها التفاوضية. فهل يكفي أن تحقق النقابات مكاسب للأجراء النشيطين، بينما تظل فئات من المتقاعدين تنتظر مراجعة معاشاتها منذ سنوات؟
إن الدفاع عن حقوق الشغيلة لا ينبغي أن يتوقف عند سن التقاعد. فالمتقاعدون جزء من المجتمع، وكثير منهم أمضوا عقوداً في قطاعات التعليم والصحة والإدارة والصناعة والخدمات وغيرها، وأسهموا بعملهم وضرائبهم واشتراكاتهم في بناء المؤسسات الوطنية واستمرارها.
ومن ثم، فإن من واجب النقابات أن تجعل ملف المعاشات في صلب مطالبها الاجتماعية، وأن تقدم للرأي العام حصيلة واضحة لما دافعت عنه في هذا المجال، وما تحقق، وما بقي عالقاً، والأسباب التي حالت دون التوصل إلى حلول ملموسة.
كما أن من حق المتقاعدين مساءلة ممثليهم والتنظيمات التي تدافع عن قضاياهم، والمطالبة بتمثيل أكثر فاعلية في النقاشات التي تتناول مستقبل أنظمة التقاعد والقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية.
الإنصاف يقتضي حلولاً لا وعوداً مؤجلة.
إن معالجة أوضاع المتقاعدين تستدعي مقاربة واضحة تراعي اختلاف أنظمة التقاعد وتفاوت قيمة المعاشات، مع إعطاء الأولوية لمن يتقاضون مبالغ ضعيفة لا تكفي لتغطية احتياجاتهم الأساسية.
ويقتضي الإنصاف دراسة آليات لمراجعة المعاشات بما يحمي قيمتها الشرائية، وتوضيح الآجال والموارد اللازمة لتنفيذ أي إجراء، مع نشر المعلومات المتعلقة بالفئات المستفيدة حتى لا تبقى المطالب رهينة تصريحات عامة أو وعود غير محددة.
ولا يعني ذلك تجاهل التحديات المالية التي تواجه أنظمة التقاعد، بل إن معالجتها ينبغي أن تتم بشفافية ومسؤولية، مع ضمان عدم تحميل المتقاعدين وحدهم كلفة الاختلالات، ولا سيما أولئك الذين لا تسمح معاشاتهم بتحمل مزيد من الأعباء.
إن إصلاح أنظمة التقاعد واستدامتها المالية هدف مشروع، لكن الاستدامة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتأجيل الإنصاف الاجتماعي إلى أجل غير معلوم. فالمتقاعدون يعيشون حاضرهم الآن، ولا يستطيعون انتظار سنوات أخرى من الدراسات واللجان والحوارات من دون إجراءات تخفف معاناتهم.
خاتمة:
هل يستعيد المتقاعدون مكانتهم في الحوار الاجتماعي؟.
إن استمرار تهميش ملف المتقاعدين في نتائج الحوار الاجتماعي يطرح سؤالاً جوهرياً حول مفهوم العدالة الاجتماعية وحدود التضامن بين الأجيال والفئات المهنية.
فلا معنى لحوار اجتماعي لا تصل ثماره إلى الفئات التي تحتاج إلى الحماية، ولا معنى للحديث عن تحسين القدرة الشرائية بينما يظل أصحاب المعاشات المحدودة يواجهون الغلاء بإمكانات لا تتغير.
المتقاعدون لا يطلبون صدقة، بل يطالبون بالإنصاف، وبسياسة واضحة تحمي قدرتهم الشرائية، وبأن يُسمع صوتهم في المفاوضات التي تحدد أوضاعهم ومستقبلهم.
فإلى متى ستظل معاشات فئات من المتقاعدين خارج أولويات الحوار الاجتماعي؟ ومتى تتحول مطالبهم إلى قرارات عملية، بآجال واضحة ونتائج قابلة للقياس؟
إن كرامة المتقاعد ليست قضية هامشية، بل مقياس لمدى وفاء المجتمع لمن ساهموا في بنائه. والعدالة الاجتماعية لا تكتمل ما دام الذين أفنوا سنوات عمرهم في العمل يشعرون بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.
المصادر والمراجع:
1. هسبريس، «نتائج الحوار الاجتماعي في جولة أبريل تحبط آمال شريحة المتقاعدين»، 3 مايو 2025: https://www.hespress.com/نتائج-الحوار-الاجتماعي-في-جولة-أبريل-1554071.html/amp
2. Le Desk، «Revalorisation des pensions : les retraités s’activent», 6 مايو 2024، حول احتجاج متقاعدي القطاع العام على عدم استفادتهم من الزيادة العامة في الأجور المقررة للموظفين النشيطين: https://ledesk.ma/enoff/revalorisation-des-pensions-les-retraites-sactivent-des-negociations-entamees-des-ce-lundi/
3. رئاسة الحكومة المغربية، «الحكومة تجدد عزمها تنفيذ التزاماتها بالاتفاقات الاجتماعية وفتح النقاش بخصوص القضايا الراهنة»، 30 أبريل 2025: https://alhoukouma.gov.ma/الحوار-الاجتماعي/

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني