ناقوس الخطر

د. محمد ناجي
أحيانا يشعر المرء بأنه في حاجة إلى التوقف عن الاستمرار فيما هو فيه، حيث تهيمن عليه أحداث ترجع به إلى شيء من الماضي، فتسيطر على فكره ذكرياتُـها، أو تسبح به شطحاتُـها في آفاق الغد القريب أو البعيد، ويمتنع عليه التخلص منها ليستمر فيما هو منكب عليه من عمل أو كتابة أو قراءة.. فيجد نفسه غير قادر على شيء من ذلك..، يحاول أن يقاوم، ولكنه لا يلبث أن يستسلم ، فينهض ليرتشف كأسا من شاي أو فنجان قهوة، ويتمدد تاركا لخياله أن يسبح ويسرح مع تلك الذكريات أو الأحلام .. لتخليصها من سجنها المعتم الذي ضاقت به في أعماق ذاكرته، أو سرحت مع شطحات خياله …
فبعد اطلاعي على شيء مما نشر عبر وسائل الإعلام عما عرفته مدينة فاس الهادئة، المُـخَـلَّـقة المهذبة، من أحداث في الأيام الأخيرة ـ ولا أقصد هنا احتجاجات عمال النقل ؛ فذلك حدث أكبر من أن يستوعبه مقال أريد به أن يرصد حدثا أو حدثين هما على محدوديتهما يوحيان لثاقبي النظر، بأنهما يشكلان ناقوس خطر حقيقي، ينذر بما لا تطمئن إليه نفس مواطن صالح ، غيور على وطنه، حريص على أمنه واستقراره؛ وأن أول ما يجب عمله لتلافي مضاعفاته هو إيقاف جر الحبل .. وكفى من سياسة اللاعقاب، وشراء الذمم؛ فوضْـعُـنا الراهن، داخليا وخارجيا؛ لا يحتمل أبدا حدوث أي رجة ؛ مهما كانت بسيطة ؛ فوق ترابه. إلا أن الملاحظ أن بعض المسؤولين يبدون وكأنهم غير معنيين بأوضاع البلد حالا أو مستقبلا؛ بقدر ما هم معنيون بأوضاع حساباتهم البنكية وثرواتهم الحرام…
لقد غدت جرائم العقار من أكثر الجرائم وأخطرها انتشارا في المغرب؛ حتى باتت جل وسائل الإعلام تتحدث عن مافيات العقار هنا وهناك؛ بعد أن كانت تتحدث عن مافيا الفساد والأشباح والتماسيح. ولو قمنا بإحصاء من خلال ما تنشره وسائل الإعلام، لتبين لنا أن جرائم العقار تستحوذ على القسط الأكبر من الجرائم الخطيرة التي يقترفها كبار المجرمين وعُـتاتُـهم من ذوي الياقات البيضاء، من رجال أعمال، ومقاولين عقاريين، وموثقين، وخبراء، ومهندسين، وعدول، ورجال سلطة تنفيذية وقضائية غيرهم ..؛ حتى إن أول صيحة انتشرت في أصقاع العالم ضد الظلم والفساد وتواطئ السلطات مع الراشين والفاسدين في المغرب؛ كانت بسبب طرد زوجين عجوزين من مسكنهما الذي أقاما فيه لعشرات السنين.. ولم يقتصر الأمر على المغاربة المسلين؛ بل إن “مافيا العقار” ؛ حسب ما أوردته وسائل الإعلام مكتوبا ومصورا في أشرطة فيديو؛ طالت حتى المغاربة اليهود الذين لم يشعروا في يوم من الأيام بأنهم ظُــلِـموا في وطنهم الذي نتعلم في مدارسنا الابتدائية أنهم من سكانه الأولين، كما أنهم لم يشعروا أبدا في يوم من الأيام بأنهم مهددون في عيشهم أو كرامتهم أو ممتلكاتهم فوق تراب المملكة بالقدر الذي شاهدناه في صيحاتهم واستغاثاتهم المبثوثة في كثير من أشرطتهم المنشورة في اليوتوب والفيس وغيرهما، والتي لا يتخلفون فيها أبدا عن التعبير عن وطنيتهم وإخلاصهم لملكهم، واستنجادهم به، والتماس تدخله لإعادة الحق لأصحابه.
هذه المظاهر مع الأسف لم نلاحظ أنها في تراجع، أو أنها توقفت عن الازدياد والانتشار؛ بل إن الذي أصبح الناس يلاحظونه في احتجاجات المواطنين الأخيرة هو أنهم بدأوا يعلنون عن أنهم قد يلجؤون إلى أخذ حقهم بأيديهم، وهذا أقوى تعبير عن فقدان ثقة الناس في عدالتهم، وأخطر تهديد يتربص بأمن الدولة واستقرارها؛ فحتى لو ألقت الدولة القبض على الذي جهر بأنه إذا لم يُـنصف فسوف يقتص لنفسه بيده؛ فلن يوقف ذلك سـيْـلُ الاحتجاجات الجارف الذي لا يهدأ في منطقة حتى يسيل بأشد وأقوى في منطقة أخرى. والعالمون بالأمور يدركون أننا نَـقْـدِر على مواجهة السيل في بدايته، وقد نتمكن من التخفيف من مضاره في مجاريه العليا؛ غير أنه إذا تجمعت السيول من كل حدب، وانسالت من كل صوب؛ فلا طاقة لأحد بمواجهتها أو الحد من اكتساحها لكل ما تجده في طريقها، وتلك هي الكارثة المحققة لا قدر الله؛ ووطننا في غنى عن مثل تلك الأحداث التي يَـنتظر الخصومُ وأعداء الوطن انطلاقَ شرارتها الأولى على أحر من الجمر، لـيُـسَـخِّـروا كل إمكانياتهم الشريرة، ووسائلهم الخبيثة المغرضة للزيادة في إشعال فتيلها، وتوسيع دائرتها . وهيهات هيهات لهم ذلك ؛ فرؤيتهم عيونَـهم في قفاهم أقربُ إليهم من رؤيتهم هذا البلدَ الآمن بالوضع والحال الذي يتمنونه له، أو يتربصونه به.
غير أنه لابد من القول بأنه لا مأمن للدولة من هذا الفيضان الماحق لا قدر الله، ولا منجاة لنا من انسيابه المدمر، إلا بالضرب بيد من حديد على كل فاسد مستغل، منتهز لموقعه، وضاربٍ عرض الحائط بمصلحة وطنه العليا واستقرار وأمن مواطنيه. ولا عبرة بالقول بأننا في دولة الحق والقانون نحتاج إلى الحجة المادية لكي نتهم مسؤولا بالفساد أو بالرشوة؛ لأننا لن نظفر أبدا بتلك الحجة في رشوة يعطيها فاسد لفاسد لينتفعا منها معا؛
فالمقاول الذي يريد الحصول على صفقة بالملايير، لا يهمه أن يقدم من أجلها رشوة بنصف مليار، ولا يمكن أن نضبط الراشي والمرتشي المتراضيين (أو المتراضين) على المشاركة في الجريمة متلبسين بها، لأنها تعقد شفويا، وعلى انفراد تحت جنح الظلام، وبالنقد العيني بأوراق خضراء مكدسة في الصناديق التي تتضاءل دونها كنوز قارون. فكيف نحصل على دليل مادي على مثل هذه الجرائم ؟ ومن أين لنا بشاهد العيان، وقد دبرت ونفذت بليل في مكان منعزل، بين طرفين فاسدين ثالثهما في ذلك المجلس الشيطان، ورابعهم الله سبحانه وتعالى الذي لا تخفى عليه خافية .
والمجرم الذي يقترف أكبر الجرائم، لا يتردد في السعي لإنقاذ رقبته بأي وسيلة كانت. ويكون الاثنان مستفيدين؛ فكيف يمكن ضبطهما في جريمة رشوة اتفقا مع بعضهما البعض سِـرِّيا عليها، وسُـلمت بطريقة مجهولة، وفي مكان مجهول، ومن يد مجهولة إلى يد مجهولة ..
وتاجر المخدرات المهدد بسنوات مديدة من السجن، يستطيع أن يضحي بمدخول شهر من تجارته الخبيثة لينال بضعة أشهر بدل عدد من السنين ، وسوف يسترد في وقت وجيز أضعاف أضعاف ما أعطاه من رشوة ليفوز بالحكم المخفف رغم سوابقه، وتعدد جرائمه …
وموزع الممنوعات من حشيش أو سجائر مهربة أو كوكايين الذي تُـضبط عنده كميات هائلة، يكون مستعدا لقبول عرضٍ؛ أن يوقع على كميات قليلة حتى يكون الحكم بمدد قصيرة؛ وبغرامة متواضعة، وتذهب الكميات الهائلة الأخرى لتعود إلى “من حيث أتت” ، وتُـوزَّع بواسطة أتباع وخدمة آخرين..
وهكذا ؛ فإننا متى ما بقينا ننتظر إلى أن نضبط الفاسد متلبسا، أو نتوصل بدليل مادي قطعي؛ فلن يستمر الفساد والرشوة إلا في الازدياد؛ وسيستمر الناس في احتجاجاتهم التي يرتفع سقف خطاباتها مرة عن أخرى، والتي انطلقت من مدينة فاس شراراتُـها الاولى، حيث سمعنا لأول مرة ـ حسب علمي ـ عبارات قوية صادحة، معلنةً عزمها على أخذ حقها بيدها، تردد صداها لدى بعض ضحايا مافيا عقار، ذكروا أنه كان من حماتها مسؤول كبير جدا في الدولة في عهد الحسن الثاني، هو الآخر بين يدي الله، كما تردد صداها لدى ضحايا حادثة سير. بل إن صداها بدا حتى في ملامح الجمهور المحتج في مظاهرات عارمة، تظهر للمتأمل أنها بداية السيل، الذي يجب إيقافه بطريقة ترضي الناس وتعيد الطمأنينة إلى أنفسهم، والثقة في عدالتهم، والأمن والاستقرار إلى بلدهم.
إن في قانوننا الجنائي أن الجريمة الجنائية أو الجنحية يمكن إثباتها بأي وسيلة كانت؛ وفي قانون الالتزامات والعقود أن القرينة إحدى وسائل الإثبات.. فكيف لا يوظف القضاء النزيه شيئا من هذا في محاربة الرشوة ومحاصرة الفساد ؛ خاصة عندما تكون آثارهما دالة عليهما، سواء في حكم، أو في قرار، أو في معاملة، أو في صفقة، أو في شهادة، أو في غير ذلك من الأمور التي يعبر ظاهرها عن باطنها، وتُـقرَأ رسالتُـها من غلافها.
[email protected]


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني