محمد الشرقاوي

لقد رسّخ جلالة الملك محمد السادس المقولة التي أطلقها جده المغفور له جلالة الملك محمد الخامس، عندما عاد من المنفى حيث قال “عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، فالجهاد الأصغر هو طرد الاحتلال وإنهاء عصر الحجر والحماية، والجهاد الأكبر هو جهاد البناء، حيث عمل المغفور له الملك الحسن الثاني على استكمال بناء المؤسسات، وعمل جلالة الملك محمد السادس على توسيع دائرة المشاريع الكبرى، حتى يعتقد الملاحظ أن المغرب عبارة عن ورش كبير من المشاريع الكبرى الصناعية والاقتصادية والفلاحية والبنيات التحتية.
ففي الذكرى 25 لاعتلاء جلالته عرش أسلافه المنعمين يقضي الأمر تدوين هذه السنوات بمداد الذهب، وذلك بالنظر لما تحقق رغم المعيقات ورغم التحولات الإقليمية والعالمية.
فكان أن عمل جلالة الملك على تأكيد الهوية المغربية ومصالحة المغاربة مع ثقافتهم، حيث أقر خطاب أجدير الاعتراف بالأمازيغية كلغة ثانية وهو ما سيتم تدوينه في الدستور المصادق عليه سنة 2011، ودعا جلالته إلى تعزيز الثقافة الأمازيغية، وذلك المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي تمكن منذ سنة 2004 من تكوين أرشيف مهم في الثقافة الأمازيغية.
وثاني المهمات النبيلة التي عمل عليها جلالة الملك هي الإنصاف والمصالحة استكمالا لجبر الضرر، الذي بدأ في عهد جلالة المغفور له الحسن الثاني، حيث تم إقرار مصالحة المغاربة مع تاريخهم وتعويض كل ضحايا ما سمي بسنوات الرصاص.
وعندما اندلعت أحداث الربيع العربي، كان الكل يتطلع لما سيقوم به المغرب، فكان جلالة الملك أسرع حاكم عربي في الاستجابة لمطالب شعبه، حيث أعطى توجيهاته من أجل إنجاز دستور ديمقراطي عن طريق آلية الاستماع لكل مكونات الشعب المغربي وكل فئاته، حيث تم إنجاز دستور راق جدا يضمن حقوق الجميع ويحدد صلاحيات كافة المؤسسات.
وتعزيزا للحقوق والحريات وضمان الحق في الحياة تم بناء مدرسة أمنية مغربية خالصة في كافة النواحي، وعمل المغرب على إحداث رؤية جديدة للتعامل مع قضايا الأمن، حيث الموازنة بين تنفيذ القانون واحترام حقوق الإنسان، وتم التركيز، منذ وصول عبد اللطيف حموشي، إلى رأس المديرية العامة للأمن الوطني، على الموارد البشرية سواء من حيث وضعهم الاجتماعي، الذي تحسن بشكل كبير، وسواء من حيث التكوين وفق المعايير الجديدة.
وعمل عبد اللطيف حموشي بصفته مديرا عاما لمديرية مراقبة التراب الوطني، على إعطاء نفس جديد لمكافحة الإرهاب ومكافحة الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، حتى أصبح المغرب مثلا للعديد من الدول تسعى للاستفادة من تجربته.
وفي سياق بناء مغرب جديد ركز جلالته على الانفتاح على العمق الإفريقي، باعتبار المغرب له جذور في القارة السمراء، لكن من خلال نظرية واضحة “رابح رابح”، وتم تتويج هذه الحركية باستعادة المغرب لمقعده في الاتحاد الإفريقي، الذي غادره نتيجة تسميم الظروف السياسية في القارة الإفريقية. كما أصبح المغرب جزءا مهما من عملية الاستثمار في هذه القارة، التي نهبت كثيرا من قبل الاستعمار السابق.
أما اقتصاديا وتجاريا فقد أصبح المغرب ورشا كبيرا لصناعة السيارات وللصناعات المرتبطة بالطيران، كما يعتبر المغرب رائدا في مجال الهيدروجين الأخضر.
كل هذه المنجزات وأخرى التي لا تسعها المجلدات الضخمة، التي تم تحقيقها خلال خمسة وعشرون سنة، هي بفضل الرؤية الحكيمة لجلالته.




