عبدالله أطويل
المتأمل في نص الخطاب الملكي الذي القاه جلالة الملك عشية تصويت مجلس الأمم المتحدة بالأغلبية الساحقة على القرار 2797/2025، القاضي بتثبيت الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية على الصحراء المغربية كمنطلق أساسي ووحيد للتفاوض، سيستخلص من تأملاته ما يستخلص. بالرغم من أنه خطاب يزف من خلاله الملك لشعبه خبر النصر إزاء قضية تعتبر الأولى وتعد المرآة التي ينظر من طيفها البلد للخارج في علاقاته الدولية، إلا أن الملك وبرزانة الملوك وهدوء صاحب الحق، لم يستغل الأمر في الترويج للانتصار رافضا ذلك رفضا مطلقا، لأن الترويج لانتصار فيه ترويج لوجود طرف آخر منهزم، بل أكثر من ذلك جنح جنوح الود والرد على الشر بالخير والعفو عند المقدرة بدل الضرب تحت الحزام.
يأتي في الخطاب نداء بالتصريح لا بالتلميح ودعوة صادقة لا شية فيها للجار الشرقي إلى تجاوز الخلافات والنظر للامام، رغم أن هذا البلد هو من عمل كل ما اوتي من قوة وزاد لوضع الحصى في حداء المغرب طيلة 50 سنة. وإلا كيف يأتي تفسير ما جاء في الخطاب الملكي حين قال فيه ملك البلاد ” ندعو أخي فخامة الرئيس عبدالمجيد تبون لحوار أخوي وصادق بين المغرب والجزائر لتجاوز الخلافات وبناء علاقات جديدة تقوم على الثقة وروابط الأخوة وحسن الجوار”، فما تفسير ذلك، غير حرص من ملك ومملكة على تجاوز الماضي والنظر للمستقبل، في إيمان صادق أن النهوض الحقيقي لا يكون مكتمل الأركان إلا بنهوض جماعي يعود بالنفع على المنطة المغاربية برمتها. بمعنى أدق أن قائد المغرب لا يريد أن يسير بلده وحده على سكة التنمية من دون أن يشاطر جيرانه ذلك خصوصا بلد جار ما يجمعه به اكثر مما يفرقه به، وكان ذلك واضحا أيضا في الخطاب الملكي حين تحدث عن إحياء الاتحاد المغاربي. وهذه الدعوات الملكية تكررت في أكثر من خطاب، غير أن خطاب الفتح المبين هذا، كان ليس كسوابقه، لأن الدعوة جاءت بعد نصر مبين لا مبرر ولا حاجة لها غير نية صادقة وحسن طوية تجاه معاملة بلد معاملة الأُخُوَّة. ولأن الشيء بالشيء يذكر، والتاريخ يسجل، فإننا نستحضر هنا أن مجلس الأمن نفسه الذي جلس فيه المبعوث الجزائري مترافعا عن أوهام الإنفصال ومحاولة وضع العصى في العجلة، وهو يُمَنِّي النفس بعدم إقرار القرار 2797/2025، فهو المجلس نفسه الذي وقف فيه الملك الراحل محمد الخامس ذات يوم من أيام أبريل 1957، مرافعا ومنافحا عن ضرورة نيل الجزائر استقلالها من وطئة الإستعمار الفرنسي.
في زمن عربي أضحت تسيطر فيه لغة الدمار والبارود في بقاع عدة من جغرافية عربانيا على أبسط الملفات. ورغم الاستفزازات المتكررة للمملكة ومؤسساتها، وهي استفزازت طالت الملك في شخصه عبر قناة “الشرور” الجزائرية، والتحرش الإعلامي المتواصل وإغلاق الحدود برا وجوا وبحرا واستدعاء السفير وتشميع مقرها. إلا أن القيادة الملكية جنحت للسلم وعدم الرد، لتتمكن الديبلوماسية المغربية بقيادة الملك من تدبير هذه القضية من دون أي توثر أو سفك للدماء. عدا قوة ناعمة تجلت في التعاطي مع هذا الملف عبر إطلاق مبادرة الحكم الذاتي مند سنة 2007، ليتم العمل على ايصال هذه المبادرة لمختلف الدول والأمم ونيل الاعترافات والاجماع الدولي، وهو الأمر الذي تأتى رويضا رويضا، إلى أن دق جرس الحسم الكبير بعد زوال يوم 31 اكتوبر. وهنا تجلي من تجليات العمل على المدى المتوسط والبعيد وسداد النظر في التدبير بمنتهى الحكمة و الرزانة. في وقت ظل فيه أعداء الوطن يبدلون ما يملكون من نفط وغاز في سبيل عرقلة هذا الملف وإعادة المغرب لنقطة الصفر حتى وإن كلفهم الأمر تجويع شعب بأكمله وإغراقه في لجوج التبعية الهوجاء.
من رسائل خطاب الفتح المبين أيضا، قد نتلقط رسالة الوطن يسع جميع أبنائه وإن اختلفوا فلا بد أن يتوحدوا. بالأمس قال الراحل الحسن الثاني “إن الوطن غفور رحيم”، واليوم يقول ملك المغرب محمد السادس للمحتجزين بمخيمات تندوف، إن الوطن ينتظركم ويمكنكم اغتنام الفرصة التاريخية والعودة لوطنكم مرفوعي الهامة، والمساهمة في تدبير شؤونكم وتنمية وطنكم وفق ما يتيحه الحكم الذاتي بالمغرب الموحد. كما يمكن التقاط أيضا رسالة المساواة، حيث جاء في الخطاب ما مفاده أن المغاربة العائدون هم سواسية في المواطنة والانتماء مع إخوانهم. كل ذلك جاء في الخطاب بلغة مليئة بالحب والدفئ والتآخي، ولعل مصطلحات من قبيل معانقة الأهل و لم الشمل، هي عبارات وجمل من غيرها دليل على ذلك. كان ذلك جزء من حديث ملك، حديث يتسم بما تتسم به خطابات الملوك من صفات. وهي صفات تصب مصب مؤسسة ملكية مبنية على ترابط وثيق بين عرش وشعب. في مملكة عمرها يفوق 12 قرنا، تفكر بفكر العقل والجنوح للغة الحوار الصادق والبناء المتواصل، في سعي للرقي والاستمرارية. أما في الأنظمة العسكرية فلها منطق آخر، يغلبه أحيانا التسرع عوض التعقل والغرور في أحايين أخرى عوض التبصر.
في خطاب الوحدة والنصر والفتح كانت رسائل طافحة لأولي الألباب. نتمنى صادقين أن تلتقط الجزائر الرسالة وترد التحية بمثلها، فكما قال وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في أحد تدخلاته الاعلامية، ” لا أحد يعرف الجزائر أكثر من المغرب ولا أحد يعرف المغرب أكثر من الجزائر”، وحوار الجارَين لا يحتاج لوساطة. صحيح، بل يقين أننا في زمن يحكمه المال والاقتصاد والتوافقات الدولية، أما زمن التناحر والبلقنة والايديولوجيات وتمزيق الحدود والانفصالات فإنه قد ولىّ ومات مع الحرب الباردة، فاليوم لا يصح إلا الصحيح. هذا نصر للمغرب، وهو أيضا نصر للجزائر لو يلتقط حكام قصر المرادية الرسالة، على أمل ذلك فلننتظر، سننتظر، إن الغذ لناظره لقريب.
عبدالله أطويل أستاذ وباحت اكاديمي.



