
لم يكن توشيح المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني بوسام الصليب الأكبر للاستحقاق للحرس المدني الإسباني مجرد بروتوكول رفيع، بل شهادة سياسية وأمنية على رأس مال رمزي راكمه السيد عبد اللطيف حموشي طوال عقدين من العمل الهادئ والمنهجي.
فالوسام الأرفع الذي تمنحه مؤسسة أمنية أوروبية عريقة لشخصية أجنبية يعني عمليا أمران مهمان: أولهما أن المغرب بات طرفا موثوقا في أمن أوروبا المتوسطي، وثانيهما أن الرجل الذي يقود المنظومتين الأمنيتين بالمملكة أصبح مرجعا شخصيا في بناء الشراكات العملياتية العابرة للحدود.
يتميز السيد حموشي بثلاث سمات شكلت “بروفايله” الدولي: الانضباط المؤسسي، والفعالية العملياتية، والاقتصاد في الظهور.
الانضباط المؤسسي تجلى في إعادة هندسة سلاسل القرار داخل المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وهو الأمر الذي رفع من سرعة الاستجابة ودقة تبادل المعلومة. والفعالية العملياتية ظهرت في الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، عبر تفكيك خلايا إرهابية وشبكات للجريمة المنظمة قبل تحولها إلى تهديد فعلي. أما الاقتصاد في الظهور، فقد حول الإنجاز إلى مصدر المصداقية الوحيد، وهو أسلوب مدروس يمنع تسييس المؤسسة ويُبقي صورتها المهنية فوق التجاذبات.
في الخلفية، اشتغل الرجل على “تعريب” التكنولوجيا الأمنية الحديثة داخل المنظومتين: مختبرات جنائية مطورة، منصات للبيانات والتحليل الاستخباري، تكوينات متخصصة في مكافحة الإرهاب السيبراني وتدفقات الهجرة غير النظامية. وهذا الاستثمار الصامت رفع من قابلية الاندماج مع نظراء المملكة الدوليين؛ لذلك لم يكن مستغربا أن تشيد العواصم الأوروبية بالتعاون المغربي في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وأن تُسند للرباط اليوم أدوارا محورية في هندسة أمن كأس العالم 2030.
يحظى السيد حموشي باحترام خاص لدى الشركاء الدوليين لسبب إضافي غالبا ما يغفل عنه الكثيرون، وهو قدرته على الجمع بين صرامة أمنية لازمة ووعي قانوني مؤسساتي. فالمقاربة التي راكمتها الأجهزة الأمنية تحت إشرافه الشخصي، تبني ملفا قابلا للصمود أمام المعايير الدولية، وتُحسن سلسلة الأدلة من مسرح الجريمة إلى قاعة المحكمة. وهذا المعيار القانوني هو ما يجعل التعاون مع المغرب مريحا لشركائه، ويفسر تراكم الأوسمة والتكريمات من دول صديقة وشقيقة على صدر السيد عبد اللطيف حموشي.
التوشيح الإسباني الأخير يحمل أيضا دلالة جيوسياسية، فهو تصديق علني على أن أمن شبه الجزيرة الإيبيرية أصبح متشابكا بشكل عضوي مع أمن المغرب. ملفات الإرهاب، تهريب المخدرات، الشبكات الإجرامية متعددة الجنسيات، تهريب البشر والجريمة السيبرانية، كلها ساحات أظهرت فيها الأجهزة المغربية قدرة فائقة على الإسناد الميداني والمعلومة الدقيقة، وهو ما جعل كلفة عدم التعاون أعلى بكثير من كلفة تعميقه. لذلك يبدو الوسام اعترافا بزعامة مهنية لا تكتفي بتبادل الرسائل، بل تنتج عمليات ناجحة تحفظ الأرواح وتُجنب الأزمات.
خلاصة القول: عبد اللطيف حموشي ليس مجرد اسم على رأس مؤسستين، بل أسلوب في القيادة الأمنية قوامه البناء الهادئ، والكفاءة التقنية، والتحالفات الذكية. ومع كل استحقاق دولي جديد، تتعزز مكانة المغرب كفاعل أمني موثوق، وتتكرس صورة رجل دولة صنع لنفسه ولبلده رصيدا استراتيجيا في غاية الأهمية.












