ذ. سليم ياسين
يمضي المغرب نحو سنة 2030 بخطى حثيثة، عامٍ يُراد له أن يكون تتويجاً لمسار طويل من الأوراش الكبرى والمشاريع المهيكلة التي غيّرت وجه البلاد عمراناً واقتصاداً. من الطرق السيارة إلى الموانئ والمطارات، من المدن الجديدة إلى الملاعب الضخمة، كل شيء يوحي بأن المغرب يسابق الزمن لبلوغ لحظة الظهور العالمي. غير أن ما يُبنى بالحجر لا يكتمل إلا حين يُبنى بالإنسان، وما يلمع تحت الأضواء قد يخفت سريعاً حين تنطفئ كاميرات المونديال وتغادر العدسات الأجنبية.
فما يبدو اليوم كطفرة في البنية التحتية يخفي في عمقه مؤشرات لمرحلة انتقالية دقيقة. بعد اكتمال الأوراش الكبرى، سيتراجع الطلب على اليد العاملة في قطاع البناء والأشغال العمومية، وهو القطاع الذي شكل لعقود صمام أمان اجتماعي لمئات الآلاف من العمال. وعندما تُطوى صفحة الورش، سيبدأ نزيف البطالة من جديد في غياب بدائل إنتاجية حقيقية قادرة على امتصاص هذا الفائض البشري. إنها معضلة الاقتصاد الذي بنى جسوراً شاهقة لكنه لم يبنِ بعد قاعدة تشغيل مستدامة.
السياحة بدورها تعيش مفارقة مماثلة. فمونديال 2030 سيجعل من المغرب قبلة العالم لأشهر معدودة، سيرتفع فيها عدد الزوار وتنتعش المدن والفنادق والأسواق. غير أن هذه القمة لا تدوم. فبعد كل حدث استثنائي، تأتي مرحلة ما بعد النشوة، حين يبدأ المنحنى في الهبوط. ومع عودة دول الجوار إلى المشهد السياحي، كلبنان ومصر والأردن وسوريا، وحتى الجزائر التي تسعى لإبراز عرضها السياحي، سيجد المغرب نفسه أمام منافسة محتدمة في سوق متقلبة لا ترحم. السياحة لا تعيش بالأحداث بل بالاستمرارية، ولا تُبنى بالإبهار وحده بل بالتجربة والثقة والجودة.
في المقابل، يواجه أحد أعمدة الاقتصاد الوطني – تحويلات الجالية المغربية – تحدياً صامتاً لكنه عميق. الأرقام الحالية تبدو مطمئنة، إذ تجاوزت التحويلات 112 مليار درهم سنة 2024، غير أن الاتجاه المستقبلي مقلق. فالأجيال الجديدة من المهاجرين، أبناء الغربة الذين وُلدوا خارج الوطن، يحملون انتماءً مختلفاً وعلاقة أكثر بروداً مع بلد الأصول. ومع الوقت، قد يتراجع هذا المورد الذي يشكل العمود الفقري للعملة الصعبة في المغرب. أمام هذا التحول، لا يكفي الرهان على العاطفة والحنين، بل ينبغي بناء علاقة جديدة مع مغاربة العالم قوامها الاستثمار المنتج، وضمانات الثقة، ومشاريع تشاركية تعيد وصل الجسور بين الرأسمال المهاجر والاقتصاد الوطني.
ثم هناك ما هو أعمق من كل هذا: التحول الديموغرافي الذي يلوح في الأفق. فالمغرب يعيش حالياً ما يُعرف بالهبة الديموغرافية، حيث يفوق عدد القادرين على العمل عدد المعالين من أطفال ومسنين. لكن هذه الفترة الذهبية لن تدوم طويلاً. ابتداء من سنة 2038 ستتعادل الكفتان، ليبدأ منحنى الشيخوخة في الصعود تدريجياً إلى أن يبلغ 23 في المئة عام 2050. عندها سيتراجع عدد النشطين، وسترتفع كلفة التقاعد والرعاية الصحية، وسيتباطأ الاستهلاك الداخلي. إنها مرحلة ستختبر قدرة الدولة على الحفاظ على توازنها المالي والاجتماعي في ظل تقلص الموارد وارتفاع الأعباء.
لكن جوهر المسألة لا يكمن في الظواهر وحدها، بل في البنية التي تنتجها. فالمغرب يعيش منذ سنوات معادلة غريبة: نسب نمو محترمة ومشاريع ضخمة، لكنها لا تُترجم إلى تحسين ملموس في معيش المواطنين. النمو موجود، لكن التنمية غائبة. إنه اقتصاد يخلق الثروة دون أن يوزعها، اقتصاد غني بالأرقام فقير في العدالة، يرفع سقف المؤشرات لكنه يترك الإنسان في الأسفل.
ما بعد 2030 لن يكون مجرد محطة اقتصادية، بل اختباراً سياسياً بامتياز: هل يستطيع المغرب الانتقال من منطق الإنجاز السريع إلى منطق البناء العميق؟ من اقتصاد يعتمد على المشاريع الممولة بالديون إلى اقتصاد يولّد القيمة من ذاته؟ من دولة تقيس نجاحها بالمنجزات المادية إلى دولة تزن قوتها بقدرة مواطنيها على العيش الكريم؟
الجواب لا يأتي من الخارج ولا من مؤسسات التصنيف الائتماني، بل من داخل المجتمع نفسه، من مدى قدرته على إعادة صياغة علاقته بالإنتاج والاستهلاك والتعليم والعمل. فالمغرب الذي استطاع أن يبني مدناً حديثة ويُدخل الطاقة المتجددة ويُقيم بنية تحتية تضاهي الدول الصاعدة، مطالب اليوم بأن يحقق التوازن بين الواجهة والجوهر، بين الصورة والمضمون.
السنوات التي ستلي 2030 ستكون سنوات الحقيقة. عندها سيتراجع الصخب وتبدأ لغة الأرقام في الكلام، وستُقاس القوة لا بعدد الملاعب ولا بعلو الأبراج، بل بعدد فرص الشغل التي تُخلق، ومستوى الخدمات التي تُقدَّم، ونسبة الكرامة التي يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية. تلك هي المعادلة التي ستُحدد إن كان المغرب قد دخل فعلاً زمن التنمية أم أنه ما زال أسير مرحلة النمو.
فحين يهدأ الاحتفال وتغادر الكاميرات، سيبقى المغرب وجهاً لوجه مع ذاته. إما أن يستثمر في الإنسان كما استثمر في الحجر، وإما أن يجد نفسه بعد عقد من الزمن أمام بلد جميل من الخارج، لكنه هشٌّ في العمق. المستقبل لا ينتظر المتفرجين، بل يصنعه من يقرأ اللحظة جيداً قبل أن تفوته.



