من أخلاقيات الاستحقاق الأكاديمي إلى مبادئ القيادة الرشيدة: قراءة قيادية في ظاهرة تسليع الألقاب الجامعية الفخرية

بقلم: الدكتور محمد محاسن

الرئيس بالنيابة للجمعية الدولية لأساتيذ الجامعات والأساتيذ المحاضرين IAUPL))

 

توطئة

 

شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تنامياً مقلقاً لظاهرة منح الألقاب والشهادات الجامعية الفخرية بمقابل مادي من طرف مؤسسات خاصة أو منصات رقمية تتّخذ صفة الجامعة دون وجه حق. هذه الظاهرة ليست مجرد انحراف إداري أو تسويقي، بل هي تهديد مباشر لجوهر العمل الأكاديمي وضربة موجعة لمبدأ الاستحقاق الذي يشكّل أساس الشرعية العلمية.

إن البلاغ الصادر عن الجمعية الدولية لأساتيذ الجامعات والأساتيذ المحاضرين بتاريخ 10 نونبر 2025 في هذا الشأن يمثّل نداءً أخلاقياً واستراتيجياً لحماية القيم المؤسسة للمجتمع الأكاديمي. ومن زاوية القيادة الأكاديمية، فإن هذه القضية تكشف عمق العلاقة بين الحكامة الجامعية وأخلاقيات المهنة والقدرة على حماية المعنى الحقيقي للمعرفة.

I- تسليع الألقاب الجامعية: تهديد للشرعية الأكاديمية العالمية

1. مشكلة تتجاوز حدود الدول

إن تسليع الألقاب الفخرية لم يعد ظاهرة معزولة، بل تحوّل إلى نشاط تجاري منظّم، يستغل الرمزية التاريخية لشهادة الدكتوراه بوصفها أعلى درجات الاعتراف الأكاديمي. وتقوم بعض الجهات ببيع شهادات فخرية عبر الإنترنت، أو تقديمها مقابل اشتراكات مالية، أو منحها عبر “مؤسسات” غير معتمدة تتستّر وراء أسماء «جامعات» لا وجود لها فعلياً.

هذا الانزلاق يمثّل تزييفاً للشرعية واعتداءً على تاريخ طويل من البحث العلمي الملتزم.

2. الضرر الذي يلحق بالجامعات الحقيقية

تنعكس هذه الممارسات على الجامعات الرصينة في ثلاثة مستويات أساس

· تقويض الثقة في الألقاب العلمية العالمية.

· تشويه السمعة المؤسسية لمؤسسات التعليم العالي المعتمدة.

· الإضرار بمسارات الباحثين الحقيقيين الذين استثمروا سنوات من الجد والاجتهاد لإنتاج معرفة ذات قيمة ومعنى.

II. أخلاقيات الاستحقاق كمرتكز للقيادة الأكاديمية الرشيدة

إن القيادة الأكاديمية ليست مجرد إدارة، بل هي فنّ حماية القيم المؤسِّسة للجامعة. ويبرز في هذا السياق ثلاثة مبادئ قيادية كبرى:

أولها حماية رأس المال الرمزي للجامعة

فالجامعة تقوم، منذ نشأتها، على رأس مال رمزي يقوم على أساس شرعية المعرفة ورصانة البحث واستقلالية الفكر وقدسية التكوين العلمي.

حين تُباع الألقاب أو تُمنح دون استحقاق، فإن ذلك يضرب هذا الرأسمال الرمزي في الصميم. ومن ثَمّ تصبح حماية الاستحقاق واجباً قيادياً لا يقل أهمية عن تطوير البحث أو تحديث البرامج.

ثانيها تعزيز النزاهة العلمية كمنظومة قيم

فالنزاهة العلمية ليست نصوصاً قانونية، بل إنها سلوك قيادي يستلزم محاربة كل أشكال التلاعب الأكاديمي والتصدي للجهات غير المعتمدة، ونشر التوعية حول مخاطر الشهادات المزوّرة والعمل مع الشركاء الدوليين لوقف هذه الممارسات.

إن القائد الأكاديمي هو من يحمل مبدأ القدوة قبل أن يحمل المنصب.

ثالثها القيادة بالمعنى (Leadership by Meaning)

يمثّل تصدي الجمعية الدولية لأساتيذ الجامعات والأساتيذ المحاضرين IAUPL)) لتسليع الألقاب الفخرية نموذجاً لما يُعرف بـ “القيادة بالمعنى”، أي القيادة التي تحدّد أولوياتها بناءً على حماية: معنى الشهادة ومعنى الجامعة ومعنى المعرفة ومعنى الرسالة التربوية.

فمعنى الجامعة لا يكمن في مبانيها أو لوائحها؛ بل في كرامة المعرفة التي تنتجها.

III. الدكتوراه الفخرية بين التكريم الحقيقي وابتذال المعنى

1. الفرق بين التكريم والاستغلال

إن الدكتوراه الفخرية، في أصلها، هي اعتراف استثنائي، تمنحه جامعة معتمدة، احتفاء بمساهمة كبيرة في العلم أو الثقافة أو خدمة الإنسان.

لكن حين تُحوَّل هذه الشهادة إلى منتج يُباع، فإنها تفقد معناها. هنا تظهر أهمية القيادة الأكاديمية في إعادة ضبط الحدود الأخلاقية بين: التكريم الحقيقي، والابتذال التسويقي.

2. الأثر على الأجيال الجديدة

إن الطلبة والباحثين الشباب هم أول من يتأثر بهذه الانحرافات؛ إذ يصبح معيار النجاح لديهم مختزلا في المظاهر بدل الجوهر والألقاب بدل العطاء والشهادات بدل المعرفة.

وهذا خطر تربوي قبل أن يكون خطراً علمياً.

IV. نحو ميثاق دولي لحماية كرامة الألقاب الجامعية

يمكن للدول والمؤسسات والهيئات الأكاديمية أن تتوافق على:

1. قواعد دولية واضحة لمعادلة الألقاب الفخرية.

2. سجل دولي للمؤسسات المعتمدة المسموح لها بمنحها.

3. آليات تحكيم علمي صارمة قبل أي منح فخري.

4. قوانين وطنية لمكافحة الشهادات المزوّرة والعروض التجارية.

5. حملات تحسيسية في الجامعات ووسائل الإعلام.

إنها دعوة إلى قيادة استباقية تحول دون انزلاق الجامعة إلى سوق للألقاب.

 

عود على بدء

 

إن حماية كرامة الألقاب الجامعية – وفي مقدمتها الدكتوراه الفخرية – ليست مجرد قضية تقنية أو تنظيمية، بل هي معركة قيمية تتعلق بمستقبل الجامعة وبمفهوم المعرفة ذاته. ومن هذا المنطلق، فإن النداء الذي أطلقته IAUPL ليس مجرد بلاغ، بل هو موقف قيادي يعيد الاعتبار لفكرة الاستحقاق كجوهر للممارسة الأكاديمية.

فالجامعة التي لا تدافع عن معنى المعرفة تفقد حقها في أن تُسمّى جامعة. والقائد الأكاديمي الذي لا يحمي الأخلاق العلمية يفقد جوهر قيادته.

إن مستقبل التعليم العالي مرهون بقدرتنا على حماية هذه القيم من كل أشكال التلاعب والتسليع، حفاظاً على رسالة الجامعة وكرامة العلم وفضيلة الاستحقاق.

 

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني