فضيحة تربوية أم خطأ منهجي؟ جدل تاريخي يحرج مناهج اللغة العربية بالابتدائي

أثار مضمون وارد في كراسة اللغة العربية للسنة الخامسة من التعليم الابتدائي، الجزء الأول، موجة استغراب وتساؤل واسعَين في الأوساط التربوية والثقافية، بعد تضمينه معطى تاريخي يقدم للتلاميذ على أنه حقيقة ثابتة، مفاده أن الرحالة المغربي ابن بطوطة “زار الجزائر في سنة كذا”.

وفي المقابل، تسمينا الجزائر “دولة مراكش التي أسسها الجنرال ليوطي”، وهو ما اعتبره متابعون خطأ تاريخيا جسيما لا يمكن التعامل معه كزلة لغوية عابرة.

الإشكال هنا لا يتعلق بشخص ابن بطوطة ولا برحلاته الواسعة في شمال إفريقيا، بل باستعمال مفهوم “الجزائر” بصيغته السياسية الحديثة، في سياق تاريخي يعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي. فابن بطوطة توفي سنة 1377، أي قبل قرون طويلة من تشكل الدولة الجزائرية الحديثة، وقبل ظهور اسم “الجزائر” ككيان سياسي وطني، وهو الاسم الذي استُخدم رسميا خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية في القرن التاسع عشر، ثم ترسخ بعد الاستقلال سنة 1962.

تاريخيا، كان ابن بطوطة يمر بمدن ومجالات جغرافية تُنسب إلى تسميات مختلفة، من بينها “بجاية” و“تلمسان” و“الجزائر” كمدينة (الجزائر العاصمة حاليا)، لكن لم يكن هناك كيان سياسي اسمه “الجزائر” بالمعنى الوطني المعاصر.

الخلط بين المدينة والدولة، وبين الجغرافيا التاريخية والحدود السياسية الحديثة، هو لب الإشكال، وهو خلط خطير عندما يُقدم لأطفال في سن التشكل المعرفي.

خطورة هذا المعطى لا تكمن فقط في عدم دقته التاريخية، بل في ما يحمله من تبسيط مخل للتاريخ، وإسقاط مفاهيم سياسية حديثة على فترات تاريخية لا تنتمي إليها. وهو ما يطرح أسئلة جدية حول منهجية إعداد المقررات الدراسية، وآليات المراجعة العلمية، ودور لجان التأليف والتحكيم التربوي.

فالمقررات الدراسية ليست فضاء للروايات الفضفاضة أو الصياغات غير الدقيقة، بل هي مرجع رسمي يُفترض أن يُبنى على أسس علمية صارمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتاريخ والهوية. وأي خطأ من هذا النوع لا يمكن فصله عن المسؤولية المؤسساتية لـ وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والمديريات المكلفة بالمناهج والكتب المدرسية.

الرهان هنا يتجاوز واقعة بعينها، ليصل إلى سؤال أعمق: كيف نُدرّس التاريخ لأطفالنا؟ هل بمنطق التبسيط المخل، أم بمنطق الدقة المتدرجة التي تحترم عقل المتعلم، حتى في المراحل الأولى؟ فالتلميذ الذي يُلقَّن معلومة غير صحيحة اليوم، سيصعب تصحيحها غداً، لأنها ستترسخ باعتبارها “حقيقة مدرسية”.

ما وقع يستدعي، على الأقل، توضيحاً رسمياً، ومراجعة عاجلة للمضمون، وتصحيحاً بيداغوجياً يميّز بين “الجزائر” كمدينة تاريخية، و“الجزائر” كدولة حديثة. كما يستدعي مساءلة علمية هادئة، لا بمنطق التهويل، ولكن أيضاً لا بمنطق التهوين، لأن الأمر يتعلق بتكوين وعي أجيال كاملة، وبمصداقية المدرسة العمومية في نقل المعرفة الصحيحة.

الخطأ وارد، لكن الإشكال الحقيقي هو في الصمت عنه، أو التعامل معه كأمر ثانوي، بينما هو في العمق مسألة تربوية وتاريخية وسيادية بامتياز.


تعليقات الزوار
  1. @عبد المنعم

    شكرا جزيلا على المقالة وعلى الغيرة الوطنية في قدسية المعلومة التي تعطى لاطفالنا.
    اعتقد انه لم يكن تنسيق بين الذي كتب النص على شكل حكاية او رواية أدبية وبين المختص في علم التاريخ….

شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني