برعلا زكريا
لم تتجاوز زيارة صانع المحتوى الأمريكي الشهير دارين واتكينز المعروف بلقب سبيد للعاصمة الجزائرية سقف الساعات الثلاث، لكنها كانت حيزا زمنيا كافيا لتمزيق الستار المتهالك الذي يخفي سوءة نظام العسكر ونسف أسطورة القوة الضاربة التي يروج لها قصر المرادية، ولمن لا يعرف هذا المؤثر فهو الظاهرة الرقمية الأمريكية الأكثر صخبا وتأثيرا عالميا في الوقت الراهن حيث يتابع تحركاته الملايين عبر بث مباشر ينقل الواقع دون مساحيق تجميل، وهو ما حول زيارته من جولة سياحية مفترضة إلى وثائقي صادم يوثق حالة الهستيريا الجماعية والفوضى الأمنية التي تعيشها دولة تشبه في عزلتها النفسية والاجتماعية نموذج كوريا الشمالية المنغلق.
وثقت عدسات البث المباشر مشاهد عجيبة داخل أزقة القصبة العتيقة حيث تحول الشاب الأمريكي من سائح يبحث عن استكشاف المعالم إلى طريدة مذعورة تهرول وسط حشود بشرية هائجة تفتقر لأبجديات التعامل مع الغرباء في مشهد أحال المتابعين مباشرة على أفلام نهاية العالم وعالم الزومبي، بينما ظهرت العناصر الأمنية المحيطة به في هيئة ميليشيات عنيفة تمارس الدفع والسحل والصراخ بطريقة بدائية أكدت للمتابعين عبر العالم أن مفهوم الأمن في الجزائر لا يعني حماية الضيف بقدر ما يعني عسكرته ومحاصرته كهدف محتمل يستوجب التحييد.
بلغت فصول المشهد العبثي ذروتها لحظة انطلاق المفرقعات النارية بشكل عشوائي احتفالا بقدومه مما أدخل الضيف في نوبة ذعر شديدة ظنا منه أنه وسط ساحة حرب فعلية، وهو موقف يختزل الأزمة النفسية لمجتمع يعيش تحت وطأة العنف الرمزي والمادي، فالاحتفاء بالضيف وفق العرف الجزائري الجديد بات مرادفا لإرهابه في مفارقة سيكولوجية تؤكد أن سنوات العشرية السوداء وما تلاها من حكم عسكري قمعي خلفت ندوبا غائرة في اللاشعور الجمعي حولت الفرح العفوي إلى طقس من طقوس العدوانية المنفلتة.
تجسد الفارق الحضاري حين اضطر اليوتوبر العالمي للفرار من الجحيم الجزائري في ساعة متأخرة باحثا عن ملاذ آمن ليحط رحاله بالمغرب، حيث وثقت عدسته التناقض البين بين عالمين، فبمجرد وصوله للمملكة وجد نفسه وسط أجواء طبيعية وهدوء تام يقطع مع مشاهد المطاردات العنيفة التي عاشها قبل لحظات في الضفة الأخرى، وهو الانتقال السلس الذي كشف بالملموس الفرق الشاسع بين دولة مؤسسات مستقرة وبين ما بات يشبه دولة الأقزام السبعة التي حولت حيزها الجغرافي إلى مساحة للفوضى والعشوائية المنفرة للزوار.
تؤكد هذه الزيارة الخاطفة أن النظام الجزائري نجح بامتياز في استنساخ معزل بشري في شمال إفريقيا حيث يعيش الشعب مقطوع الصلة بحركة التمدن العالمية يستهلك شعارات العداء والمقاومة بينما يغرق في وحل التخلف، فما حدث مع هذا المؤثر هو التعبير الصادق عن مخرجات عقود من التجهيل الممنهج والشحن الإيديولوجي الذي مسح عقول الجزائريين، لتتحول بلاد بحجم قارة إلى أضحوكة عالمية في بث مباشر عجزت فيه دولة النفط والغاز عن تأمين ممر آمن لضيف لم يطلب سوى تصوير المعالم فوجد نفسه يصارع من أجل البقاء في غابة تحكمها قوانين الخوف والجهل.




