أنا المغربي… حكاية وطن تمشي على قدمين..

 

بقلم : بوشعيب حمراوي

أنا المغربي…
لا أبدأ حكايتي من اسمي،
بل من الأرض التي علّمتني معنى الاسم.
من ترابٍ إذا مسسته بيدك علّمك الصبر،
وإذا مشيت فوقه علّمك التواضع،
وإذا خاصمته علّمك أنك لا تنتصر على وطنك بل تخسره.

أنا المغربي الذي وُلد وفي قلبه بوصلة،
تشير دائمًا إلى الشرف،
وإن ضلّ الطريق… لا يضلّ المعنى.
تعلّمت منذ الصغر أن البيت لا يُقاس بجدرانه،
بل بمدى اتساع صدر أهله.
وأن الضيف ليس عابرًا،
بل أمانة مؤقتة في أعناقنا.
لذلك نفتح الأبواب قبل أن تُقرَع،
ونفرش القلوب قبل الزرابي،
ونُقاسم الخبز قبل أن نُحصي الأرغفة.

أنا المغربي الذي إذا قال نعم
فقد وقّع بالعِشرة،
وإذا قال لا
فقد حمى كرامته وكرامة غيره.
فالوفاء عندنا ليس شعارًا،
بل عادة يومية،
تُمارَس في البيع،
وفي الجوار،
وفي العهد،
وفي الصمت حين يكون الصمت أنبل من الكلام.

نحن أبناء الاستثناء…
لا لأننا أفضل من غيرنا،
بل لأننا نؤمن أن العيش المشترك ليس ترفًا،
وأن الاختلاف ليس تهديدًا،
وأن التنوع نعمة لا لعنة.
عندنا يتجاور الانسان مجردا من عقائده
وتتصالح الأعراق في المائدة،
وتتصافح اللغات في الشارع.

أنا المغربي الذي إذا اشتدّ عليه الزمن
لم ينكسر،
وإذا ضاق الحال
اتّسع الخاطر.
نضحك في وجه الشدائد
لا استخفافًا بها،
بل تحدّيًا لها.
نحوّل الألم إلى نكتة،
والخسارة إلى درس،
والسقوط إلى بداية جديدة.

في الشدة… نُبادر.
لا ننتظر التعليمات حين يكون الإنسان في خطر.
نحمل الجريح قبل السؤال عن اسمه،
ونُطفئ الحريق قبل السؤال عن سببه،
ونبني الجسر قبل النقاش
حول من يعبر أولًا.
هذه ليست بطولة،
بل تربية.

أنا المغربي…
الذي يترك الطريق لمن يحتاجه،
ولا يترك الجار وحده
في الفرح أو في الحزن،
ولا يترك الوطن حين تشتدّ العواصف.
قد نختلف، نعم…
نغضب، نعم…
ننتقد، نعم…
لكن حين يُنادي الوطن
نصطف بلا ضجيج،
ونتراصّ بلا أوامر،
ونفهم الإشارة دون شرح.
تعلمت من أجدادي أن الشجاعة
ليست في رفع الصوت،
بل في تحمّل المسؤولية.
وأن الشهامة
ليست في إظهار القوة،
بل في حماية الضعيف.
وأن الصدق
ليس قول الحقيقة فقط،
بل تحمّل تبعاتها.

أنا المغربي الذي يعرف أن الكرم
ليس في كثرة ما يُقدَّم،
بل في صدق النية.
قد نقدّم طبقًا بسيطًا،
لكننا نضع معه الاحترام،
ونسكب عليه الدعاء،
ونقدّمه واقفين…
لأن الجائع لا يُستقبل جالسًا.

وحين يسافر المغربي
يحمل وطنه في لهجته،
وفي ضحكته،
وفي طريقته في السؤال عن الآخرين.
يمثّل بلاده دون أن يُطلب منه ذلك،
ويُصلح الصورة دون أن يرفع شعارًا،
ويزرع الألفة حيث حلّ
كأنه يقول للعالم:
نحن هنا… لنبني لا لنهدم.

أنا المغربي…
ابن تاريخ قاوم …
دون أن يتحوّل إلى جلاد،
وصالح مع الصالح
ومصلح للطالح …
انفتح دون أن أذوب.
أؤمن أن القوة في التوازن،
وأن الهوية التي تخاف من غيرها
هوية لم تفهم نفسها بعد.

هذه حكايتي…
ليست أسطورة،
ولا دعاية،
بل سيرة شعب
آمن أن الأخلاق رأسمال،
وأن الإنسان قبل المشروع،
وأن الوطن يُبنى باليد
ويُحرس بالقيم.

أنا المغربي…
وقد أكون واحدًا،
لكن خلفي ملايين
يشبهونني في الجوهر،
ويختلفون في التفاصيل،
ويجتمعون على شيء واحد:
أن المغرب تاريخ ومجد
ليس مجرد مكان نعيش فيه…
بل معنى نعيش به.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني