برعلا زكريا
لم يشكل إعلان عزيز أخنوش عدم ترشحه لولاية جديدة على رأس التجمع الوطني للأحرار صدمة للمتتبع للشأن السياسي، فالسيناريو يكرر نفسه بدقة ميكانيكية، حيث يتم تعبيد الطريق لمرشح وحيد لخلافته في مؤتمر شكلي تغيب عنه المنافسة الحقيقية، ما يرسخ مبدأ التعيين المقنع بالانتخاب داخل الهيئات الحزبية، ويعيد إنتاج نفس الوجوه لتدبير المرحلة بذات الأدوات والمنطق.
يتقاطع هذا الجمود مع ما شهده الاتحاد الاشتراكي من تجديد لإدريس لشكر لولاية ثالثة عبر تطويع القوانين الداخلية، في نسف عملي لشعارات تشبيب النخب وتمكين الكفاءات التي يرفعها الحزب في بياناته، ليتحول التنظيم إلى ملكية خاصة تدار بمنطق الولاءات الشخصية لا التعاقدات السياسية، وهو ما يفرغ المؤسسة الحزبية من وظيفتها الأساسية في تجديد الدماء وتكوين أطر قادرة على تدبير الشأن العام.
تشهد الساحة السياسية مع اقتراب كل استحقاق انتخابي حركة انتقالات واسعة تشبه ميركاتو اللاعبين، حيث يغير المنتخبون ألوانهم الحزبية بحثا عن التزكية المضمونة، مما يؤكد موت الإيديولوجيا وسيادة منطق الغنيمة، إذ لم تعد الأحزاب هيئات تحمل مشاريع مجتمعية متمايزة، بل تحولت إلى دكاكين انتخابية تمنح التزكيات لمن يدفع أكثر أو يملك نفوذا قبليا وماليا، مع استمرار تغليب معيار الوجاهة والمال على معيار الكفاءة والنزاهة في اختيار المرشحين.
تعيش الأحزاب أزمة أخلاقية هيكلية مع تورط قيادات بارزة في ملفات فساد ثقيلة معروضة على القضاء، كما هو الحال في ملف إسكوبار الصحراء الذي أطاح بأسماء وازنة مثل عبد النبي بعيوي وسعيد الناصري، كاشفا عن تغلغل المال الفاسد في مفاصل العمل الحزبي، واستغلال المواقع السياسية لتبييض الأموال وحماية المصالح غير المشروعة، في ظل عجز الهيئات الحزبية عن تفعيل آليات الرقابة الداخلية أو التبرؤ من المفسدين قبل تحرك الآلة القضائية.
تلعب الأغلبية الحكومية دورا وظيفيا لتمرير تشريعات تثير الاحتقان الشعبي والمهني، كما حدث مع مشروع قانون المسطرة المدنية الذي واجه رفضا واسعا من الجسم القانوني والحقوقي بسبب مساسه بحق التقاضي، وتمرير مشروع قانون الإضراب بصيغته الحالية، حيث تحولت الفرق البرلمانية إلى مجرد غرف تسجيل تصادق آليا على النصوص دون مراعاة للأثر الاجتماعي أو الدستوري، في تنكر واضح لدورها التمثيلي والرقابي المفترض.
اختار حزب الحركة الشعبية الانخراط في معارك جانبية ضد الصحافة عوض التركيز على دوره التأطيري، حيث تحول الحزب إلى منصة لمهاجمة المنابر الإعلامية التي تكشف اختلالات تدبير منتخبيه، في سلوك يعكس ضيق الصدر بالنقد ومحاولة للتغطية على الفراغ السياسي والبرنامجي، ومحاولة بائسة لترهيب السلطة الرابعة بدل تقديم إجابات مقنعة حول القضايا المثارة.
تسير عجلة التنمية والمشاريع الاستراتيجية الكبرى بفضل الدينامية التي تقودها المؤسسة الملكية والأجهزة الأمنية والسيادية، بدءا من ورش الحماية الاجتماعية وصولا إلى تدبير ملف الوحدة الترابية والاستراتيجيات الطاقية، بينما تكتفي الأحزاب بدور الكومبارس الذي يؤثث المشهد الدستوري ويصرف الأعمال اليومية، عاجزة عن تقديم أي قيمة مضافة أو حلول مبتكرة للأزمات القائمة.
يثبت الواقع السياسي أن الأحزاب المغربية لم تصل بعد لمرحلة الفطام عن ريع الدولة وتوجيهاتها، وتظل قاصرة عن تحمل مسؤولية القرارات المصيرية، ما يجعل استمرار إشراف المؤسسة الملكية المباشر على الملفات الاستراتيجية ضرورة حتمية لضمان الاستقرار والإنجاز، في ظل مشهد حزبي يفتقر للنضج والكفاءة والمصداقية اللازمة لمجابهة التحديات الكبرى.




