أبو يحيى
لو امتلك حميد المهداوي ذيلا لحركه بشدة واهتز بكامله أمام كل مسؤول يمر بجانبه.
تلخص هذه الصورة حقيقة هركاوي يمارس التقية الرقمية عبر تغليظ صوته أمام الكاميرات لاستغفال ما تبقى من المتابعين المغيبين.
يكشف الشريط المصور الأخير حقيقته البئيسة كبائع كلام يقتات على الصراخ، حيث تحول من مدع للبطولة إلى مستجد للاعتراف حين روى بنشوة طفل صغير واقعة تواجده رفقة زوجته بأحد المطاعم مبتهجا بابتسامة مسؤول أمني رفيع المستوى وجهت إليه.
يخاطب صاحب الخرجات البهلوانية سذج متابعيه محاولا إقناعهم بضرورة تواصل مؤسسات الدولة معه لتصحيح هرطقاته اليومية على أساس ممارسته لمهنة الصحافة.
تتجاهل المكاتب التواصلية للإدارات المركزية الرد على صناع التفاهة على منصة يوتوب، ولم يسبق لأي جهاز رسمي أن خصص وقته لمناقشة ترهات شخص يفتقد للتكوين الأكاديمي ويحاول فرض وجوده بالصياح.
يعاني المعني بالأمر من عقدة نقص مرضية تجعله يتخيل شبكة عالمية تتآمر على ظله، ويوزع الاتهامات العشوائية تارة نحو إسرائيل وتارة أخرى تجاه أجهزة أمنية وأوساط إعلامية.
لكن أقلاما جادة أخذت على عاتقها فضح ألاعيب هذا المتحايل البئيس بعدما تجاوز العبث كل الحدود، ليستحق بجدارة جائزة الطاقة السلبية ودرع العويل والنحيب.
يمثل هذا السلوك استنساخا لظاهرة النائحات المأجورات اللواتي يتقاضين أجرا مقابل البكاء والصراخ والتمريغ في التراب خلال الجنائز، مع فارق تحويله مآسي المغاربة إلى رصيد بنكي.
في السياق نفسه، لا يبدو أن صاحب الخطاب الصاخب يدرك أن زمن احتكار المعلومة قد انتهى، وأن المتلقي اليوم صار أكثر قدرة على التمييز بين الصحافة كرسالة نبيلة وبين عروض الفرجة القائمة على الإثارة الرخيصة.
لقد تحول الهداوي من مدّع لامتلاك الحقيقة المطلقة إلى مجرد صانع يومي لجرعات من التوتر الرقمي، يقتات على تضخيم الهوامش وتقديمها في صورة معارك كونية، بينما الواقع يكشف خواء الطرح وهشاشة الخلفية المعرفية. فالممارسة الصحفية ليست ميكروفونا مفتوحا ولا بثا مباشرا بلا ضوابط، بل مسؤولية تفرض الحد الأدنى من التكوين والقدرة على التحليل الرصين وربط الوقائع بسياقاتها الحقيقية.
والمفارقة أن هذا النموذج يصر على تقديم نفسه في صورة الضحية الأبدية، مستثمرا خطاب المظلومية لتبرير كل سقوط مهني أو تناقض فاضح. فحين يعجز عن صناعة الحدث يلجأ إلى افتعال معارك وهمية، وحين ينكشف ضعف محتواه يلوذ بنظرية المؤامرة كملاذ أخير لإعادة شد انتباه جمهور تم إنهاكه بجرعات متتالية من الصراخ.
إن خطورة هذا الأسلوب لا تكمن فقط في الإساءة إلى صورة العمل الصحفي، بل في تسميم الفضاء الرقمي بخطاب عدمي يختزل القضايا الكبرى في مشاهد شعبوية عابرة، ويحول النقاش العمومي إلى حلبة للفرجة بدل أن يكون مجالا للتنوير وبناء الوعي. وهنا تحديدا تتجلى مسؤولية النخب الإعلامية الجادة في إعادة الاعتبار لقيمة الكلمة الرصينة، وفضح اقتصاد التفاهة الذي يجد في مثل هذه النماذج وقوده اليومي.
كما أن الإصرار على لعب دور “المعارض الوحيد” يكشف نزعة احتكارية للحديث باسم المجتمع، وهي نزعة تتغذى من وهم الزعامة الرقمية أكثر مما تستند إلى أي مشروعية مهنية أو تمثيلية حقيقية. فالمؤسسات لا تُخاطب عبر الفيديوهات الانفعالية، ولا تُدار النقاشات الكبرى بمنطق “الترند”، بل عبر قنوات واضحة تؤطرها قواعد المسؤولية والمحاسبة.




