أطلّ علينا سليمان الريسوني في ثوب “الناقد”، وفي كفه “قراب خاوي” لا يحمل من أدبيات السلطة الرابعة إلا الاسم والصفة!
يتبجح بالصحافة وأصولها، ويحاضر في الروبورتاج وقواعد التحقيق، وكأن الأدبيات الشريفة لمهنة البحث عن الحقيقة أضحت تُقاس بعدد المرات التي يبكي فيها المرء على سوء طالعه أو يتذمر فيها من جراحه الشخصية أمام الكاميرات!
إن المتأمل في مسيرة هذا الرجل—سواء في ما كتبه سالفا أو في خروجه الأخير—يجد نفسه أمام نسق أهوج أصل للمدرسة “الهضراوية” التي أبدع فيها قبله حميد المهداوي؛ حيث تحولت المنصات الرقمية و”اللايفات” إلى سرادق عزاء مفتوح للتشكي، والتباكي، وعرض السجلات الذاتية، ومناقشة تفاصيل شخصية مجردة لا تهم القارئ ولا تعني الوطن في شيء.
أهذه هي الصحافة التي صدّعوا بها الرؤوس؟ أبهذا الفقر الفكري والضحالة التحليلية يكون نُبل القلم وفصاحة البيان؟
الصحافة الحقيقية، يا هؤلاء، هي السهر على قضايا الأمة والوطن، هي الموقف الصلب عندما تُستهدف حياض المملكة، هي القلم السيال الذي يذود عن السيادة الترابية في المحطات المفصلية. فأين كان هذا “الصحفي الاستقصائي” عندما تعرض المغرب للهجمات الشرسة والمخططات الدنيئة بسبب أزمة سبتة المحتلة؟
وأين كان صوته وقلمه من الاستفزازات والتعديات المتواصلة القادمة من كابرانات نظام الجوار بـ الجزائر؟
لقد صمت الريسوني صمت القبور، وابتلع لسانه المزعوم، فلم يُسمع له ركاب ولا زئير، لأن قضايا الوطن الكبرى لا تعني شيئا لمن صُممت بوصلته فقط على منسوب “الأناة” المريضة وتضخيم الذات!
إن من يجلس ساعة كاملة ليروي كيف يقضي يومه، وكيف يحضر “كتابه” عن الفضائح، وكيف يُقيم محيطه من منظور عقدة مظلوميته، هو أقرب إلى ممارس الشوفونية الرقمية منه إلى الصحفي الحصيف.
الصحافة ليست تجارة بالبكائيات، ولا استجداء للتضامن بتعاطف مجاني، بل هي نبل ونزاهة واشتباك مع قضايا الشعب والوطن الحقيقية. أما الهروب إلى الأمام ومحاكاة ظواهر “التكسب بالشكوى”، فلن تصنع صحفيا، بل ستنتج فقط نسخة مكررة ومعدلة من أبواق الهذيان التي لفظها المغرب والمغاربة منذ زمان!
وليعلم الريسوني، ومن يسير على دربه من أصحاب البكائيات والمتاجرين بالشعارات، أن المساس بالمؤسسة الأمنية المغربية ورجالاتها الشرفاء هو خط أحمر دونه الشوك والحنظل والردع القاطع؛ فكل من توهم يوما أنه قادر على كسر هذه الصخرة الصلبة أو النيل من هيبتها ومصداقيتها خاب مسعاه، وانكسرت شوكته، وانتهى إلى هامش التاريخ مذموما مدحورا، ولك في بيادق كندا وإسبانيا وأمريكا غير درس وعبرة لمن يعتبر.
إن الأجهزة الأمنية المغربية، التي باتت نموذجا دوليا يُحتذى به في الحكامة والشفافية والاستباقية، أكبر وأسمى من أن تطالها الشائعات أو تنال منها كتابات مأزومة؛ ومهما تعددت الأقنعة وتغيرت المنصات، فإن يد العدالة وسيادة القانون كفيلتان بدحر كل محاولات التشهير والتآمر، ليبقى الوطن شامخا وآمنا بحسن مؤسساته، وليحصد الخونة والواهمون خيبة أملهم والقصاص العدلي الذي يستحقونه.
أما الذين يحرضونك اليوم من وراء البحار، ويدفعون لك بالعملة الصعبة لقاء كل كلمة تفرغ بها سمومك ضد وطنك ومؤسساته، فلتعلم أنهم أول من سيتبرأ منك عندما تسقط الورقة الأخيرة من شجرة أوهامك.
هؤلاء الذين يستخدمونك كبيدق رخيص في حروبهم بالوكالة، لن يطعموك شيئا سوى الخزي والندم، وحين تشتد عليك حلقة الحساب والقانون، لن تجد أيا منهم بجانبك، بل سينفضون من حولك كما انفضوا عن سابقيك.
إن المال الحرام والعملة الصعبة قد تشتري القلم والضمير لبعض الوقت، لكنها لن تبني لك شرفا ولن تقيك مرارة السقوط النهائي أمام وطن لا ينسى خائنيه، ولا يرحم من يبيعه في سوق المزاد الإقليمي والدولي.







