الحاكم وسيادة السلطة واستمرارها

قراءة في كتاب “الأمير” نيكولا مكيافيلي
الحسين بوخرطة
لا يمكن اعتبار كتاب “الأمير” للكاتب نيكولا مكيافيلي كتابا في “فن الخداع”، كما شاع في التلقي الشعبي، بل هو في جوهره محاولة جذرية لفهم السياسة كما تمارس فعليا، لا كما ينبغي أن تمارس أخلاقيا. لقد ألف هذا الكتاب سنة 1513 في سياق إيطاليا المجزأة، حيث كانت الامارات والمدن والقوى الأجنبية والجيوش المرتزقة تتصارع على النفوذ والسلطة. ويتألف الكتاب من ستة وعشرين فصلا، سنعود إليها في مقالات لاحقة لمناقشتها فصلا فصلا.
قدم مكيافيلي كتابه بمثابة دليل عملي موجه إلى “الأمير”، ليس ليجعله حاكما فاضلا، بل لتمكينه من الاستيلاء على السلطة والحفاظ عليها ومنع سقوط دولته. هو كتاب بمضمون أحدث القطيعة الكبرى مع الفكر السياسي الوسيط. فمكيافيلي لم ينطلق من صورة الحاكم المثالي كما نجدها عند أفلاطون أو الأدبيات المسيحية، بل من الواقع السياسي بصراعاته ومصالحه وقواه ومخاوفه وطموحاته وخياناته وحروبه وجماهيره وظروفه شديدة التغيير.
الواقعية السياسية المعتمدة جعلت منه رائد ثورة فكرية جديدة فصل من خلالها السياسة عن الأخلاق راسما صورة مغايرة لمفهوم الدولة الصالحة والحاكم العادل واستمرار السلطة. فصول كتابه لا تنفي قيمة الأخلاق، بل نفى أن يكون منطق السياسة مختزلا في الأخلاق الشخصية للحاكم. بالنسبة له، ليس المهم أن يكون الأمير صالحا دائما، وإنما أن يعرف متى يستطيع أن يكون صالحا ومتى يضطر إلى خلاف ذلك.
من أشهر العبارات التي ارتبطت باسمه المقولة التي نسبت إليه “الغاية تبرر الوسيلة” (صيغة لم ترد حرفيا في كتابه). فإذا كان الحاكم يريد المحافظة على دولته، فقد يجد نفسه مضطرا إلى استعمال وسائل لا تنسجم مع الأخلاق التقليدية. عبارته هاته لا تبيح أي وسيلة من أجل أي غاية، بل يقصد اعتماد الوسائل من منظور بقاء الدولة والسلطة.
منطلقاته عكست تصورات واقعية، ربما متشائمة. فالناس ليسوا دائما أوفياء، بل يتغيرون بتغير مصالحهم، ويخافون فقدان ممتلكاتهم أكثر ما يخافون فقدان أشياء أخرى كالغيرة على سيادة الوطن ونمائه. لقد أثار عدة تجارب تخلى فيها الناس عن حاكمهم بسبب تغير الظروف، وأخرى انصياعهم للولاء القائم من أجل المصلحة،… فبناء الدولة بالنسبة له لا يمكن أن يؤسس على افتراض كون الناس طيبون بطبيعتهم.
نصيحته العملية للحاكم، والتي تكررت كفكرة حداثية في فحوى فصول الكتاب هي : “لا تحكم على الناس بما تتمنى أن يكونوا عليه، بل بما أثبت التاريخ أنهم قادرون على أن يكونوه”. الأفضل أن يكون الحاكم محبوبا ومهابا معا، ولكن إذا تعذر الجمع بينهما، فأمنه السياسي يكون أكثر ضمانا عندما يكون مهابا. في نفس الآن، وضع مكيافيلي حدا بالغ الأهمية : لا ينبغي للأمير أن يكون مكروها. وبذلك، فهو قد ميز بين الخوف والكراهية. يمكن للناس أن يخافوا سلطة الدولة، لكن دون أن يروا فيها مصدر تهديد لممتلكاتهم وكرامتهم بحدة تجعلهم يتمنون سقوطها.
القدرة السياسية ليست مقرونة بالقوة وحدها، بل هي مرتبطة بالقوة العسكرية (التي يجب أن تكون وطنية)، والذكاء، والقدرة على قراءة وتحليل الظروف، وفهم الخصوم، ومعرفة طبيعة الجماهير، واختيار توقيت التدخلات، والمهارة في بناء التحالفات والتعامل مع الأزمات،… الفضيلة السياسية هي مرادف للاقتدار والكفاءة في الفعل السياسي الفعال، لكن ليس بمعنى الأخلاق المسيحية. الحاكم مطالب أن يكون شجاعا ومكرا ومتميزا بقدرته على التكيف ومرونته وجرأته في الحسم والتعاطي مع القضايا الشائكة. الأمير الناجح ليس هو الذي يملك خطة ثابتة، بل الذي يستطيع تغيير أدواته عندما تتغير الظروف.
مكيافيلي لا يعطي أهمية للحظ، بقدر ما يمجد الإرادة السياسية. فعلا، حياة الدول والحكام تتأثر بما يسمى بالحظ أو المصادفة أو تقلب الظروف، لكن الحظ ليس قدرا مطلقا. وبذلك ربط عظمة الأمير في قدرته على استثمار الظروف عندما تكون مواتية، ويقاومها عندما تنقلب عليه. بالنسبة له، قد يمتلك سياسي مشروعا جيدا، لكن إذا لم يفهم اللحظة التاريخية فقد يفشل. فحتى في حالة ظهور أزمات مفاجئة، يمكن للقائد أن يحولها إلى فرصة.
إجمالا، ينصح الكاتب الحاكم أن يكون في نفس الوقت أسدا وثعلبا. الأسد يمثل القوة والثعلب يمثل الدهاء والذكاء السياسي. القوة وحدها لا تكفي، لأن بعض الفخاخ لا يمكن كسرها بالقوة. والحيلة وحدها لا تكفي، لأن بعض الخصوم لا يمكن ردعهم إلا بالقوة. وبذلك يبقى نجاح الحاكم مرتبط ارتباطا وثيقا بجمعه بين القدرة على الردع (العنف) والقدرة على المناورة. الحنكة في السياسة بالنسبة له تتجلى في القدرة العالية في إدارة الصراع ومنع تحوله إلى انهيار للدولة. المجتمع ليس كتلة منسجمة. فهناك القاعدة الشعبية الواسعة، والنخب، وأصحاب المصالح، واللوبيات، والعسكريون، وكذا أطماع ومصالح القوى الأجنبية. الشعب ليس دائما عدوا للسلطة، بل قد يكون في بعض الظروف أكثر أمانا للحاكم من النخب. فهذه الأخيرة تريد السلطة والنفوذ، بينما الشعب يريد في الأساس الكرامة وأن لا يظلم. النخبة قد تنازع الأمير على السلطة، بينما الشعب يطلب فقط الحماية من الاستبداد.
كتاب مكيافيلي يجب أن يقرأ بضوابط ومقومات العيش المشترك. فالسياسة لا تمارس كتقنية من أجل السيطرة والحفاظ على السلطة. وإذا ما مورست بهذا المنطق فقد تتحول إلى مجرد أداة للخوف والمصالح وتبرير الاستبداد. لقد أثبت التاريخ الحديث أن البشر ليسوا فقط كائنات تبحث عن المنفعة والخوف، بل لديهم القيم والتضامن والتضحية والعدالة والانتماء والحرية…
واستحضارا لما سبق، فالكاتب يريد دولة قوية، لا أميرا قويا فقط. فالعبرة من مضمون هذا الكتاب تتجاوز القراءة السطحية باختزاله في خطط موجهة للأمير للسيطرة على الناس، بل هو كتاب يرسم بواقعية ومعرفة كيفية بناء سلطة سياسية قادرة على مواجهة الفوضى والانقسام والتدخل الأجنبي. فخلف “الأمير” كنص يوجد مشروع سياسي أكبر :”بناء دولة إيطالية قوية ومستقلة” بشكل خاص، “وبناء الدولة الوطنية” بشكل أعم.
قمنا بتقديم هذه القراءة لكون مضمون هذا الكتاب لا يزال حيا. القضايا التي تناولها لا زالت حية بأسئلتها في الديمقراطية الحديثة: كيف تبنى الشرعية؟ كيف تحافظ السلطة على الاستقرار؟ كيف تتعامل الدولة مع الأزمات؟ كيف تتعامل مع المعارضة؟ كيف تتعامل مع النخب؟ متى تكون المرونة السياسية فضيلة؟ متى تتحول البرغماتية إلى انتهازية؟ أين تنتهي الواقعية السياسية ويبدأ الاستبداد؟ هل يمكن بناء دولة قوية بدون مؤسسات قوية؟
وبذلك، على القارئ أن يتجاوز القراءات السطحية للكتاب والتي تعتبره ترسانة حيل للخداع والمكر والوصول إلى السلطة. واقعية الكتاب تتجلى في محاولته فهم العلاقة بين السلطة والدولة والإنسان والصراع والظروف التاريخية.
لقد نجح مكيافيلي في نقلنا من تمثل اعتبار السياسة وعظا أخلاقيا إلى السياسة بوصفها علما للصراع على السلطة وإدارة الدولة. لقد مكن القارئ من الالتفات إلى الوجه غير الجميل للسياسة: المصلحة، القوة، الخوف، الخداع، الحرب، الطموح، وتقلب الحظ.
المقلق في الكتاب كونه تشريحا للسلطة. وبذلك يمكن أن يستغل لتكريس الاستبداد. لم يرسم مكيافيلي حدا بين الحرص على المحافظة على الدولة كمعيار أعلى من كل المعايير، والخوف من “ضرورة الدولة” لدى السلطة السائدة إلى ذريعة لكل شيء. لقد قدم معلومات بالغة الأهمية للحاكم لتبقى دولته قوية، لكنه قدم في نفس الوقت أدوات يمكن أن يستثمرها الحاكم لتبرير استبداده وقوته.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني