رسالتان من أمريكا والسويد في يوم واحد.. حموشي وقطب الأمن المغربي أمام شهادة دولية ثقيلة

ليست المسألة مجرد إشادتين عابرتين وردتا في يوم واحد، ولا يتعلق الأمر بعبارات مجاملة دبلوماسية تُقال ثم تُنسى. ما صدر عن الولايات المتحدة والسويد يحمل دلالة أمنية ومؤسساتية أكبر بكثير: أقوى أجهزة الشرطة في العالم تضع ثقتها في قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وتتعامل معه باعتباره شريكاً أمنياً قادراً على تقديم قيمة مضافة في الملفات الأكثر تعقيداً.

وهنا تحديداً تكمن أهمية المعطيات التي صدرت أمس. فمن جهة، جاء التنويه الأمريكي بمناسبة مشاركة أطر أمنية مغربية في مركز التعاون الأمني الدولي الذي أقامه مكتب التحقيقات الفدرالي خلال كأس العالم 2026. ومن جهة ثانية، جاءت الإشادة السويدية عقب عملية أمنية حقيقية انتهت بتوقيف مواطن سويدي مطلوب على خلفية شبهات مرتبطة بالجريمة المنظمة.

أي أننا أمام صورتين مختلفتين للتعاون الأمني، لكنهما تقودان إلى النتيجة نفسها: المغرب لا يُستدعى فقط عندما يتعلق الأمر بتبادل المعلومات، بل أصبح حاضراً في صميم العمليات الأمنية الدولية الكبرى، من تأمين أكبر التظاهرات الرياضية إلى ملاحقة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي أنشأ خلال كأس العالم مركزاً دولياً للتعاون الأمني شارك فيه مسؤولون أمنيون من أكثر من 40 دولة، وكان الهدف منه ربط أجهزة إنفاذ القانون وتبادل المعلومات والتنسيق بشأن المخاطر الأمنية المرتبطة بالبطولة. كما أعلن الـFBI أن العملية الأمنية الخاصة بالمونديال اعتمدت على تنسيق واسع بين أجهزة أمريكية ودولية، وانتهت البطولة دون حوادث أمنية جسيمة مرتبطة بالمباريات.

وسط هذا المشهد، لم تكن مشاركة الأطر المغربية مجرد حضور بروتوكولي داخل قاعة دولية، بل جاءت، وفق المعطيات التي أعلنها قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، باعتبارها مشاركة ذات قيمة مهنية في مجال الأمن الرياضي وتدبير التظاهرات الكبرى.

وهذا أمر بالغ الدلالة، لأن الأمن في تظاهرة بحجم كأس العالم لا يقوم على الحراسة التقليدية فقط، وإنما على منظومة معقدة تشمل تحليل المعلومات، وتقييم المخاطر، والتنسيق الفوري، والتعامل مع التهديدات المحتملة، والتواصل بين أجهزة أمنية متعددة الجنسيات.

والـFBI نفسه وصف مركز التعاون الأمني الدولي بأنه مركز قيادة أنشئ بقيادته وبمشاركة شركاء من أجهزة إنفاذ القانون، لربط الأجهزة الأمنية الدولية بمواقع مباريات كأس العالم.

بمعنى آخر، حين تكون أطر الأمن المغربي داخل هذه المنظومة، فهذا يعني أن خبرتها أصبحت جزءاً من معادلة أمنية دولية.

ثم تأتي السويد من الجهة الأخرى

إذا كانت الرسالة الأمريكية مرتبطة بالأمن الوقائي وتأمين حدث عالمي، فإن الرسالة السويدية جاءت من قلب الحرب على الجريمة المنظمة.

الشرطة السويدية أعلنت أن مواطنين سويديين مشتبه في تورطهما في جرائم مرتبطة بتهريب وترويج واسع للمخدرات تم تسليمهما من المغرب إلى السويد، بعد تعاون مكّن من تحديد مكانهما وتوقيفهما. ولم تكتفِ الشرطة السويدية بالإعلان عن العملية، بل أشادت صراحة بالتعاون المهني والبناء مع الشرطة المغربية.

كما أعلنت الشرطة السويدية، في قضية أخرى، توقيف مواطن سويدي في المغرب كان مطلوباً دولياً ومشتبهاً في تورطه في جرائم خطيرة مرتبطة بالمخدرات والأسلحة، مؤكدة أن الاعتقال جاء نتيجة التعاون بين الشرطة السويدية والمغربية.

والأهم أن التعاون المغربي السويدي ليس وليد هذه العمليات الأخيرة. ففي أبريل 2026، وقّعت الشرطة السويدية والجانب المغربي إعلان نوايا يحدد مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والجريمة الرقمية ومواجهة الفاعلين الإجراميين العاملين بين البلدين ضمن أولويات التعاون. وفي المناسبة نفسها، وصفت المفوضة الوطنية للشرطة السويدية المغرب بأنه شريك مهم في مكافحة الجريمة المنظمة.

هنا تتضح الصورة أكثر.

الأمريكيون يثمنون الكفاءة المغربية في الأمن الدولي وتأمين التظاهرات الكبرى، والسويديون يثمنون فعالية التعاون العملياتي المغربي في تعقب المجرمين المطلوبين.

وهذه ليست شهادة من جهة واحدة، ولا في مجال واحد.

حموشي.. حين يصبح التعاون الأمني شبكة علاقات دولية

في قلب هذه الدينامية يبرز اسم عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني والمدير العام لمراقبة التراب الوطني.

واللافت في مسار الرجل أنه لا يُنظر إليه فقط باعتباره مسؤولاً عن جهاز أمني داخل المغرب، وإنما أصبح اسمه مرتبطاً بشبكة واسعة من علاقات التعاون بين المؤسسات الأمنية المغربية ونظيراتها الدولية.

والأهم هنا هو الجمع بين الجهازين.

فالمديرية العامة للأمن الوطني تضطلع بأدوار واسعة في العمل الشرطي والعمليات الميدانية، بينما تضطلع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بأدوار استخباراتية وأمنية متخصصة. وعندما يتحرك قطب المديريتين في ملفات التعاون الدولي، فإن الشريك الأجنبي لا يتعامل مع مؤسسة أمنية منعزلة، وإنما مع منظومة تجمع بين المعلومة والاستخبار والعمل الشرطي والتنفيذ الميداني.

وهذه نقطة جوهرية لفهم لماذا أصبحت الشراكات الأمنية المغربية تحظى بهذا المستوى من الثقة.

شهادة السويد ليست كلاماً بروتوكولياً

عندما تقول الشرطة السويدية إن التعاون مع المغرب مهني وبناء وفعال، فهي تتحدث عن نتيجة قابلة للقياس: مطلوب موجود خارج السويد، معلومات يتم تبادلها، تنسيق يجري بين الأجهزة، ثم توقيف وتسليم.

بل إن الشرطة السويدية نفسها تؤكد أن الاتفاق الموقع بين البلدين يستهدف تحديداً الفاعلين الإجراميين الذين يعملون في المغرب أو منه، ومنع التعاون بين المجرمين في البلدين، ومواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والجريمة الرقمية.

وهذا يعني أن التعاون لم يعد مجرد اتصال بين مسؤولين، بل أصبح بنية عملياتية لملاحقة الجريمة أينما تحركت.

وهنا تحديداً تتأكد قيمة العمل الذي يقوده حموشي: جعل التعاون الدولي جزءاً من الأمن الوطني المغربي، وفي الوقت نفسه جعل الأجهزة المغربية شريكاً مطلوباً عندما تحتاج أجهزة أخرى إلى المعلومة أو التنسيق أو التدخل.

أما الرسالة الأمريكية فلها وزن مختلف

كأس العالم 2026 كان عملية أمنية ضخمة وغير مسبوقة من حيث الحجم. الـFBI تحدث عن آلاف العناصر ومئات الوحدات والمهام الأمنية، وعن مركز تعاون دولي جمع ممثلين عن عشرات الدول.

وفي مثل هذه العمليات، لا يتم تقييم الأجهزة المشاركة بعدد أفرادها، وإنما بقدرتها على العمل داخل منظومة دولية شديدة التعقيد.

ومن هنا، فإن تنويه الجانب الأمريكي بالأطر الأمنية المغربية يسلط الضوء على عامل مهم: الخبرة المغربية في الأمن الرياضي لم تعد خبرة محلية.

لقد أصبحت قابلة للتوظيف في بيئة أمنية دولية، حيث تتقاطع أجهزة متعددة وثقافات أمنية مختلفة، وتتحرك المعلومات بسرعة كبيرة، ويصبح أي خلل في التنسيق قابلاً للتأثير على سلامة ملايين الأشخاص.

الرسالتان معاً أهم من كل واحدة منفردة

لو جاءت الإشادة الأمريكية وحدها، لأمكن قراءتها في سياق الأمن الرياضي.

ولو جاءت الإشادة السويدية وحدها، لأمكن وضعها في إطار مكافحة الجريمة المنظمة.

لكن صدور المعطيين في التوقيت نفسه يكشف اتساع نطاق التعاون الذي أصبح قطب الأمن المغربي طرفاً فيه.

من الملاعب الكبرى في الولايات المتحدة إلى شبكات الجريمة المنظمة في أوروبا، تتكرر الرسالة نفسها: هناك ثقة متزايدة في قدرة الأجهزة الأمنية المغربية على العمل مع شركائها الدوليين.

وهذا تحديداً ما يجعل اسم حموشي حاضراً في خلفية هذه الملفات، ليس باعتباره عنواناً إعلامياً فقط، وإنما باعتباره المسؤول الذي يقود قطباً أمنياً يجمع بين المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ويطور شبكة تعاون دولية تتسع من سنة إلى أخرى.

والخلاصة التي تفرض نفسها من خلال هذه المعطيات ليست أن المغرب يعمل وحده، وإنما العكس تماماً: الأمن الحديث يقوم على الشراكات، والمغرب أصبح طرفاً فاعلاً داخل هذه الشراكات.

وإذا كانت الجريمة المنظمة قد تحولت إلى ظاهرة عابرة للحدود، فإن الرد عليها لا يمكن أن يبقى محصوراً داخل الحدود نفسها.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للتعاون الذي يقوده حموشي: أن تكون المعلومة المغربية مفيدة خارج المغرب، وأن تكون الأجهزة المغربية قادرة على الاستجابة لطلبات شركائها، وفي المقابل أن تكون المملكة مرتبطة بقنوات أمنية مباشرة مع أجهزة كبرى في أوروبا وأمريكا.

إنهما شهادتان دوليتان في يوم واحد على مؤسسة أمنية مغربية أصبحت حاضرة في الملفات الأمنية الكبرى، وعلى مسؤول أمني جعل التعاون الدولي أحد أعمدة العمل الأمني المغربي المعاصر.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني