
د. زكرياء لعروسي
باحث في القانون العام والعلوم السياسية
يأتي الخطاب الملكي السامي الذي تفضل به صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة في سياق تتداخل فيه التحولات الجيوسياسية مع إعادة ترتيب موازين القوة الاقتصادية، وتتزايد فيه الحاجة إلى الاستناد على المقومات الحضارية للدولة القادرة على الجمع بين الاستقرار وتجديد أفق التقدم. ويقدم تصورا استراتيجيا للمرحلة المقبلة، قوامه الانتقال من تراكم المكتسبات إلى تعميق أثرها، وتوجيه الطموح الوطني نحو رفع قدرة المؤسسات على تحقيق النجاعة.
ينطلق الخطاب من أن المغرب يمتلك رصيدا تاريخيا وحضاريا ومؤسساتيا وتنمويا يؤهله لتعزيز موقعه بين القوى الاقتصادية الصاعدة، وأن صيانة هذا الرصيد تقتضي تجديد وتفعيل أدوات العمل، وإعادة ترتيب الأولويات، وربط المسؤولية السياسية بفعالية الأداء، وجعل أثر هذه السياسات يتجلى بوضوح في الحياة اليومية للمواطنين.
وهنا تطرح أسئلة الخطاب في بعدها الاستراتيجي: كيف يتحول ما راكمته الدولة من إمكانات تاريخية وهوياتية ومنجز وطني إلى قدرة مستدامة على الإنتاج والتنافس والتنمية؟ وكيف ينتقل الاعتزاز بالمدركات الوطنية في مجال الوعي بالهوية إلى مجال الفعل التاريخي الذي يصنع المستقبل المشرق؟
يستمد هذا التصور أحد مرتكزاته من استحضار الهوية المغربية وعراقة الملكية في المغرب وإمارة المؤمنين والغنى الحضاري الذي تشكل عبر تعدد روافد المجتمع المغربي. وإن استدعاء التاريخ في الخطاب الملكي السامي، يضع التنمية داخل سياق وطني أوسع وأشمل من زمن حكومي.. إنه يجعل التحديث امتدادا لتجربة تاريخية لها خصوصيتها ومصادر تماسكها.
وإن المملكة المغربية لم تعتبر يوما أن الهوية ذاكرة تُستحضر فقط في المناسبات والمظاهر الفولكلورية، لكنها تنطلق من مقوماتها الحضارية والفكرية ومدركاتها الجماعية لتعزيز هذا الرصيد الرمزي الذي يمد الحاضر بمعنى الاستمرار، ويمنح المشروع الوطني قاعدة مشتركة ممتدة للالتقاء حول المستقبل. ومن ثم، فإن الاعتزاز بالمغربية، كما عبر عن ذلك جلالة الملك، يتولد عنه إحساس جماعي بمسؤولية عميقة لخدمة الوطن، ويجعل من الانتماء التزاما تجاه الصالح العام. وفي هذا الربط بين الذاكرة والواجب تتجلى إحدى الأفكار الناظمة للخطاب الملكي، هي أن قوة الأمم تصنع من قدرتها على تحويل تاريخها إلى طاقة للفعل، وعلى جعل مرجعياتها الوطنية منطلقا لبناء دولة قوية تستجيب لتحولات العصر. وهي دعوة صادقة وعازمة على ترسيخ موقع المغرب قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، بما يجعل الهوية والإنجاز وجهين متكاملين لمشروع وطني واحد.
ولذلك انتقل جلالة الملك، حفظه الله، من الهوية إلى الرؤية الاقتصادية، باعتبارها المجال الذي تتمكن من خلاله أي الدولة تحويل الطموح إلى قوة فعلية. فالأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والاحتياطات الاستراتيجية، كلها موضوعات تتجاوز حدود السياسات القطاعية لتدخل في صلب بناء السيادة الاقتصادية. وقد أظهرت التحولات الدولية أن مكانة الدول ترتبط أساسا بقدرتها على التحكم في شروط إنتاجها، وتأمين حاجاتها الأساسية، وامتلاك المعرفة والتكنولوجيا، والاستعداد للأزمات قبل وقوعها. لذلك تكتسب الدعوة إلى جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى دلالة تتصل بإعادة بناء القدرة الوطنية على المبادرة والمنافسة. ويأتي القطاع الخاص ضمن هذا التصور شريكاً في صناعة التحول، من خلال الاستثمار المنتج والابتكار والتصدير وخلق فرص الشغل. غير أن القيمة الاستراتيجية لهذا الدور تظل مرتبطة بمدى إسهامه في توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، وتحسين جودة العمل، وتطوير الكفاءات الوطنية. فالمغرب الصاعد الذي يرسمه الخطاب هو المغرب الذي يربط السيادة بامتلاك الوسائل التي تجعل القرار الوطني أكثر نجاعة وقدرة على مواجهة التقلبات الخارجية.
ويلي هذا التصور عناية بالغة بجعل الشباب في صدارة السياسات العمومية، ويربط مستقبلهم بالتعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص. ذلك أن التنمية، في بعدها السياسي والاجتماعي، هي توسيع إمكانات الارتقاء، وجعل المستقبل مجالا مفتوحا أمام الطاقات الجديدة. لأن الثقة، باعتبارها نتيجة لعلاقة ملموسة بين المواطن والمؤسسات، تتعزز في الوقت الذي يجد الشاب تكوينا يؤهله لإيجاد موطئ قدم داخل البناء المجتمعي، وفرصة تتيح له العمل وإبراز قدراته، وخدمات عمومية تحفظ كرامته، ومسارا اجتماعيا لا تحدده الفوارق المجالية أو الإمكانات العائلية وحدها.
وتكتسب العدالة الاجتماعية والمجالية أهمية بالغة ضمن مشاريع النهضة التنموية الكبرى التي يقودها جلالة الملك، لأنها تمثل المعيار الذي يحدد مدى انتشار ثمار النمو. فالرهان الحقيقي هو بناء مجتمع يشعر أفراده بأنهم شركاء في المستقبل الوطني. وكلما اتسعت فرص المشاركة المواطنة والإنتاج والارتقاء، ازدادت قدرة الدولة على تحويل النمو إلى تماسك اجتماعي، وتحولت الثقة من مطلب سياسي إلى حصيلة يومية لفعالية السياسات العمومية.
ومن هنا نفهم الأهمية التي يمنحها الخطاب للعمل الميداني والجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري؛ فالتنمية تحتاج إلى مؤسسات إقليمية قادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، وموارد تسمح بالتنفيذ، واختصاصات واضحة تحدد المسؤوليات وحدود التدخل. وإن التشديد على نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية إلى الجهات والأقاليم، وعلى تنظيم العلاقات بين المركز والجهات من خلال التنسيق والتتبع، يكشف عن إدراك أن جزءا من معضلة التنمية يرتبط بطريقة تنظيم الفعل العمومي نفسه. ولعل نجاح ورش الجهوية المتقدمة رهين بأن تصبح الجهة في قدر أكبر على المبادرة والاستجابة لحاجات مجالها، وأن يحقق اللاتمركز الإداري غايته في أن يتيح للإدارة الترابية ممارسة الصلاحيات التي تجعل القرار أقرب إلى واقع المواطنين، كل مجال جغرافي حسب أولوياته. وهذا التحول يقتضي إعادة ترتيب العلاقة بين المركز والمجال، من جهة التخطيط والتنفيذ، ومن جهة الاختصاص القانوني والقدرة الفعلية.
وعلى المستوى الدولي، يضع الخطاب ملف الهجرة ضمن سياق إعادة التفكير في شروط الشراكة ومضمونها. وإن المغرب، الذي راكم موقعا كشريك مسؤول وموثوق، يتجه إلى تجديد نموذج التعاون في هذا المجال على أساس التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. وحيث إن التحولات جعلت الهجرة قضية تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية، فإنه أصبح من الواجب فرض تعاون يتجاوز التدبير الظرفي إلى معالجة المصالح المتداخلة بين الدول، والتعامل مع الظاهرة بعيدا عن التصريحات المتهورات لجهات سياسية. كما أن التأكيد على السيادة في اختيار الشراكات يعبّر عن توجه نحو علاقات دولية تقوم على الإرادة المتبادلة ووضوح الالتزامات واحترام المصالح. ولذلك فالعلاقة مع إسبانيا في هذا المجال، باعتبارها مجالاً تتقاطع فيه الجغرافيا بالمصالح الاقتصادية والأمنية والإنسانية وحتى التاريخية، يجب النظر إليها من زوايا أكبر من مواقف غير مسؤولة وحروب إعلامية عابرة. والواقع يفرض أن تجديد التعاون يقتضي رؤية متكاملة تراعي الخصوصيات القانونية للأوضاع المختلفة للمهاجرين، وتعزز التنسيق في مواجهة الشبكات الإجرامية المتاجرة بالبشر، وتربط تدبير الهجرة بآفاق التنمية المشتركة. ويندرج هذه التوجه ضمن تصور أوسع للدبلوماسية المغربية، ينطلق من جعل المصداقية الدولية رصيداً تستند عليه لبناء شراكة جادة ومثمرة مع دول المحيط، لبناء الاستقرار وتوسيع المصالح المتبادلة بمقاربة رابح-رابح.
وترتبط مختلف هذه الرهانات، في خاتمة الخطاب السامي لافتتاح الدورة البرلمانية، بالمسؤولية البرلمانية، بما تمثله من حلقة وصل بين التوجهات الاستراتيجية للدولة والاختيارات السياسية والتشريعية التي تؤطر تنفيذها. من منطلق أن الانتداب البرلماني، باعتباره التزاماً سياسياً وتعاقداً أخلاقياً مع المواطنين، يقتضي أن تتحول الثقة الانتخابية إلى ممارسة مؤسساتية قادرة على التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية. ومن هنا تتحدد مسؤولية المرحلة المقبلة في بناء التكامل بين الحكومة والبرلمان والجهات والقطاع الخاص، ضمن توزيع واضح للأدوار وربط العمل العام بالنتائج.
إن الرسالة الجامعة للخطاب السامي هي أن المغرب يمتلك رصيدا تاريخيا ومؤسساتيا ومجالا واسعا للمبادرة، وأن هذا الرصيد يجب أن يستثمر في القدرة على إنتاج مستقبل أكثر قوة وإنصافا، كما يستثمر عراقته في بناء مستقبل يستمد قوته من الماضي المجيد، وتحقيق النجاعة التي تحفظ للمؤسسات مصداقيتها، وتجعل الطموح الوطني الكبير في المغرب الصاعد في الطريق الصحيح وقابلاً للتحقق، وليكون هذا التقدم الاقتصادي والمؤسساتي رافعة لكرامة المواطن واستقرار المجتمع واستمرار المشروع الوطني الكبير، الذي يقوده جلالة الملك.




