إحالة 11 عضواً على المحكمة الدستورية تفتح ملف الكفاءة السياسية: هل الأحزاب مؤهلة لتدبير شؤون البلاد؟

الأستاذ: علي او عمو

أعادت إحالة لائحة تضم أحد عشر عضواً من الحكومة المغربية الجديدة على المحكمة الدستورية، لترتيب الآثار القانونية المترتبة على الجمع بين العضوية البرلمانية والصفة الحكومية، النقاش حول مسؤولية الأحزاب السياسية في اختيار ممثليها، ومدى كفاءة النخب التي تتولى تدبير شؤون البلاد.
وحسب ما أوردته الصحافة المغربية يوم 21 أكتوبر 2026، تضم اللائحة أسماء من أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، من بينهم رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري ومديحة خيير.
وقد يبدو الإجراء، من الناحية القانونية، تطبيقاً عادياً للقواعد المنظمة للعلاقة بين البرلمان والحكومة. غير أن دلالاته السياسية تفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز مجرد شغور المقاعد البرلمانية، لتصل إلى معايير اختيار المسؤولين ومدى استعداد الأحزاب لتحمل مسؤولياتها.
القانون واضح، فلماذا لا يُستحضر مسبقاً؟.
تنص المادة 14 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب على تنافي العضوية في المجلس مع صفة عضو في الحكومة، فيما تنص المادة 32 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها على التنافي نفسه.
وبذلك، فإن الجمع بين العضوية في مجلس النواب والصفة الحكومية غير مسموح به، وتترتب على تعيين النائب وزيراً إجراءات قانونية للتصريح بشغور مقعده.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تُقدِّم الأحزاب أشخاصاً سبق انتخابهم أعضاءً في البرلمان لتولي مناصب حكومية، وهي تعلم مُسبقاً أن القانون يمنع الجمع بين الصفتين؟.
ليس الاعتراض على انتقال النواب إلى الحكومة، وإنما على ضرورة الاستعداد المسبق للآثار القانونية المترتبة على هذا الانتقال، وتدبيرها بوضوح وفعالية. فهذه القواعد ليست جديدة، وكان من المفترض أن تكون حاضرة في حسابات الأحزاب عند تشكيل الحكومة..
ومن حق المواطن أن يتساءل عما إذا كانت الكفاءة القانونية والمؤسساتية تحظى بالمكانة اللازمة في عملية اختيار المسؤولين، أم أن التوازنات الحزبية والسياسية قد تدفع أحياناً إلى إهمال تفاصيل أساسية لا ينبغي أن تغيب عن من يتولى تدبير الشأن العام.
مسؤولية الأحزاب ورئيسة الحكومة.
تتحمل الأحزاب مسؤولية أساسية في اختيار مرشحيها للمناصب الحكومية، ليس فقط من حيث انتماؤهم السياسي، بل أيضاً من حيث كفاءتهم واستعدادهم لتحمل المسؤولية واحترام القواعد المنظمة للمؤسسات.
فإذا كانت حالات التنافي معروفة سلفاً، فلماذا لا تُدبَّر آثارها بوضوح منذ بداية تشكيل الحكومة، بدلاً من أن تصبح موضوعاً للنقاش بعد اتخاذ قرارات التعيين؟.
كما أن ورود اسم فاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها رئيسة الحكومة، ضمن اللائحة المحالة على المحكمة الدستورية يثير تساؤلاً مشروعاً عن مسؤولية رئاسة الحكومة في استحضار القواعد القانونية عند تشكيلها.
هل يعني ذلك أن رئيسة الحكومة لا تفقه في القوانين المنظمة للبرلمان والحكومة شيئاً؟ ليس من الموضوعية استخلاص هذا الحكم من مجرد الإحالة، فهي لا تثبت الجهل بالقانون أو تعمّد مخالفته، كما أن تطبيق المسطرة القانونية لا يعني بالضرورة أن التعيين نفسه كان غير قانوني.
لكن ذلك لا يمنع مساءلة الحكومة والأحزاب عن كيفية تدبير هذه الوضعيات، وعن مدى الاستعداد المسبق لتسوية آثارها القانونية. فالمطلوب ليس إطلاق الأحكام على النيات، بل تقديم توضيحات مُقنعة للرأي العام.
سنوات من العمل السياسي، فأين أثر التجربة؟.
تزداد مشروعية التساؤل حين يتعلق الأمر بمسؤولين راكم بعضهم سنوات طويلة من التجربة داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية. فمن الطبيعي أن يُنتظر ممن أمضى سنوات في البرلمان، وشارك في مناقشة القوانين والتصويت عليها، أن يكون مُلمّاً بالقواعد الأساسية التي تنظم العلاقة بين المؤسسات..
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين عدم معرفة القانون، وعدم الانتباه إلى مقتضى معين، وبين وجود خلل في التنسيق والإجراءات. فواقعة واحدة لا تكفي للحكم بانعدام كفاءة جميع المعنيين، لكنها تبرر التساؤل عن مدى جدية الأحزاب في إعداد أطرها وتأهيلها لتحمل المسؤوليات العامة.
فالسياسة ليست مجرد خوض الانتخابات والفوز بالمقاعد والوصول إلى المناصب؛ إنها معرفة بالقوانين، وفهم للمؤسسات، وقدرة على استباق المشكلات ومعالجتها قبل أن تتحول إلى موضوع للمساءلة.
هل ننتظر من البرلمان والحكومة تدبير شؤون البلاد على أحسن وجه؟.
هنا نصل إلى جوهر القضية. فالبرلمان يشرّع ويراقب العمل الحكومي، بينما تتولى الحكومة تنفيذ السياسات العمومية، والسهر على تطبيق القوانين، كما تقترح مشاريع قوانين وتعرضها على البرلمان وفق المساطر الدستورية..
وبالتالي، فإن العلاقة بين المؤسستين تقوم على توزيع الاختصاصات والتعاون، مع ضرورة ضمان الرقابة والمساءلة. لكن إذا كانت قواعد تنظيم العلاقة بينهما تثير تساؤلات بشأن كيفية تدبيرها، فمن حق المواطن أن يتساءل عن مدى قدرة النُّخَب السياسية على معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية الأكثر تعقيداً، التي تتطلب تخطيطاً محكماً وتنسيقاً مؤسساتياً وكفاءة في اتخاذ القرار..
لا يكفي أن يحصل المسؤول على الشرعية الانتخابية أو التعيين في منصب حكومي حتى يكون مؤهلاً بالضرورة لتدبير شؤون البلاد. فالشرعية السياسية والكفاءة العملية أمران متكاملان، ولا يغني أحدهما عن الآخر..
ومن هنا، فإن الثقة في المؤسسات لا ينبغي أن تكون مطلقة أو مبنية على الوعود وحدها، بل يجب أن ترتبط بالنتائج المحققة، ومدى احترام القانون، والقدرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين.
هل فاقد الشيء يعطيه؟.
يقال إن فاقد الشيء لا يعطيه، غير أن تطبيق هذه المقولة على المسؤولين السياسيين يقتضي الإنصاف؛ فلا يمكن اعتبار كل من ورد اسمه في اللائحة فاقداً للكفاءة لمجرد إحالته على المحكمة الدستورية.
لكن المقولة تطرح إشكالاً حقيقياً حين يتعلق الأمر بمعايير اختيار النخب السياسية. فإذا كانت الأحزاب لا تستحضر مسبقاً القواعد القانونية المنظمة للمؤسسات، فمن حق المواطنين مطالبتها بمراجعة آليات اختيار مرشحيها، وإثبات أن الكفاءة والخبرة والنزاهة تأتي في مقدمة الاعتبارات التي تحكم قراراتها..
فالمسؤولية لا تقع على الأفراد وحدهم؛ بل تشمل الأحزاب التي ترشحهم، والحكومة التي تتولى تدبير الشأن العام، والبرلمان الذي يفترض أن يمارس دوره التشريعي والرقابي بفعالية..
ولا ينبغي أن تتحول تسوية الوضعيات القانونية بعد ظهور الإشكال إلى مبرر لإعفاء المسؤولين من المساءلة السياسية عن كيفية تدبيرها، كما لا يجوز اعتبار كل إجراء قانوني دليلاً على الفشل أو عدم الأهلية.
الكفاءة قبل المناصب والمحاسبة بعد المسؤولية.
إن إحالة أحد عشر عضواً على المحكمة الدستورية لا تكفي وحدها للحكم على كفاءة الحكومة أو البرلمان، لكنها تفتح نقاشاً ضرورياً حول مسؤولية الأحزاب في اختيار ممثليها، ومدى استعدادها لتدبير الشأن العام وفق قواعد واضحة..
فالمطلوب من الأحزاب ليس فقط الفوز بالانتخابات وتشكيل الحكومات، بل تقديم نخب مؤهلة لفهم القانون وتطبيقه، وقادرة على تحويل البرامج والوعود إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم.
والمطلوب من الحكومة ليس مجرد امتلاك الصلاحيات، بل إثبات قدرتها على اتخاذ قرارات مدروسة وتدبير الملفات بكفاءة وشفافية. أما البرلمان، فمسؤوليته أن يشرّع ويراقب ويحاسب، لا أن يكتفي بالمصادقة على الاختيارات الحكومية..
وفي النهاية، يبقى المواطن هو من يتحمل نتائج نجاح السياسات العمومية أو إخفاقها. ومن حقه أن يسأل الأحزاب: على أي أساس تختارون من يتولى مسؤولية تدبير البلاد؟ وكيف نطمئن إلى كفاءة من نأتمنهم على التشريع والتنفيذ، إذا كانت القواعد المنظمة للعلاقة بين المؤسستين تثير مثل هذه التساؤلات؟.
إن احترام القانون ليس إنجازاً استثنائياً، بل هو الحد الأدنى المطلوب من كل مسؤول عام. أما الكفاءة، فهي شرط أساسي لتحمل المسؤولية، والمحاسبة هي الضمانة التي تجعل السلطة في خدمة المواطنين والوطن.

الأستاذ: علي او عمو
كاتب من المغرب


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني