لم يحتج تعيين ماديحة خيير في الحكومة الجديدة سوى يومين حتى يتحول إلى قضية سياسية تضع معايير اختيار الوزراء تحت المجهر، وتفتح الباب أمام مساءلة قيادة حزب الاستقلال، التي اقترحت اسمها للاستوزار، ورئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، التي سارعت إلى تقديم طلب إعفائها، إلى السدة العالية بالله، من مهامها الحكومية، رفعا للحرج الذي وقعت فيه هذه الحكومة بعد 48 ساعة من تنصيبها.
فبعد تعيين خيير، يوم الجمعة 16 أكتوبر الجاري، وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، أعلن بلاغ للديوان الملكي، يوم الأحد 18 أكتوبر، موافقة جلالة الملك محمد السادس على طلب رئيسة الحكومة إعفاءها من مهامها، طبقا لأحكام الفصل 47 من الدستور.
وجاء القرار في سياق جدل إعلامي أثارته معطيات ووثائق متداولة بشأن ملف قديم يعود إلى سنة 2004، من دون أن يتضمن البلاغ الملكي تفاصيل رسمية بشأن الأسباب المحددة للإعفاء.
هذا التطور السريع لا يطرح فقط سؤال ما الذي حدث، بل يضع سؤال المسؤولية السياسية في صلب النقاش: كيف وصل اسم أثار، بعد تعيينه، كل هذه التساؤلات إلى التشكيلة الحكومية؟ ومن يتحمل مسؤولية اختياره؟
باعتبار ماديحة خيير من الوجوه المنتمية إلى حزب الاستقلال، فإن الأمين العام للحزب، نزار بركة، يجد نفسه أمام أسئلة مشروعة بشأن معايير اختيار الأسماء التي يقترحها حزبه لتولي المسؤوليات الحكومية، ومدى كفاية عملية التدقيق التي تسبق تقديم المرشحين للاستوزار.
فالمشاركة في الحكومة ليست مجرد توزيع للحقائب أو مكافأة على المسار الحزبي والانتخابي، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية تفرض على الأحزاب التحري في الملفات ذات الصلة بتولي المسؤولية العامة، وتقدير ما قد يترتب على اختياراتها من تداعيات على صورة الحكومة وثقة المواطنين في المؤسسات.
ومن هنا، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل قيادة حزب الاستقلال: هل كانت على علم بالمعطيات التي أثارت الجدل بعد التعيين؟ وإذا لم تكن القيادة على علم بها، فكيف لم تظهر قبل الإعلان عن التشكيلة الحكومية؟
أسئلة سياسية لا تعني إصدار أحكام مسبقة بشأن الوقائع المتداولة، ولا تفترض تلقائيا علم قيادة الحزب بها، لكنها تفرض توضيحا مسؤولا بشأن طريقة اتخاذ القرار ومعايير اختيار المرشحين.
في المقابل، لا يمكن إعفاء رئاسة الحكومة من المساءلة السياسية عن الاختيارات التي انتهت إلى تشكيل الحكومة. ففاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها رئيسة الحكومة، تتحمل مسؤولية سياسية عن التشكيلة التي قدمتها، وعن ضمان أن تتم عملية الاختيار وفق معايير توازن بين الاستحقاق والكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية العمومية.
ولا يعني ذلك أن رئيسة الحكومة مسؤولة بالضرورة عن كل تفصيل في المسار الشخصي لكل مرشح، أو أنها كانت على علم مسبق بكل ما أثير لاحقا. لكن الانتقال من التعيين إلى طلب الإعفاء خلال يومين فقط يفرض السؤال عن آليات التحقق والتنسيق بين رئاسة الحكومة والأحزاب المشاركة في الأغلبية، وعن مدى فعالية التدقيق الذي يسبق الإعلان عن الأسماء.
وإذا كانت المعطيات التي أثارت الجدل لم تظهر إلا بعد التعيين، فإن ذلك يطرح إشكالا مؤسساتيا يتجاوز شخص الوزيرة المعنية: هل تتوفر الحكومة والأحزاب على مسطرة واضحة للتحقق من الملفات قبل اقتراح الأسماء؟
من الضروري، في خضم هذا النقاش، التمييز بين الوقائع الرسمية والادعاءات المتداولة. فالوثائق التي يجري تداولها بشأن ملف قديم لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أحكاما قضائية نهائية من دون التحقق من صحتها وسياقها ومآل المسطرة المرتبطة بها. كما أن المعطيات ذات الطابع الطبي والشخصي لا يجوز تحويلها إلى مادة للتشهير أو وسيلة للنيل من الأشخاص خارج ما تقتضيه المصلحة العامة.
غير أن احترام الخصوصية وقرينة البراءة لا يلغي حق المجتمع في مساءلة المسؤولين عن قرارات الاستوزار، ولا يمنع طرح الأسئلة المتعلقة بكيفية اختيار الوزراء، خصوصا عندما ينتهي التعيين إلى إعفاء سريع يعيد النقاش إلى نقطة البداية.
واللافت أن الناطق الرسمي باسم الحكومة تحدث عن تعامل استعجالي مع الجدل الذي رافق التعيين، في إطار تقدير سياسي ومؤسساتي مشترك بين مكونات الأغلبية. وهو ما يجعل الحاجة إلى توضيحات بشأن آليات الاختيار والتدقيق أكثر إلحاحا، من دون القفز إلى استنتاجات لا تسندها المعطيات الرسمية.
القضية، في نهاية المطاف، ينبغي أن تتحول إلى فرصة لمراجعة معايير اختيار أعضاء الحكومة. فالمواطنون ينتظرون من الأحزاب التي تطلب ثقتهم أن تقدم كفاءات قادرة على تحمل المسؤولية، ومن رئاسة الحكومة أن تضمن قدرا كافيا من التدقيق قبل عرض التشكيلة الحكومية.
وعليه، فإن المسؤولية السياسية المحتملة تتوزع، بحسب ما ستكشفه التوضيحات والوقائع، بين الجهة الحزبية التي اقترحت الاسم، ورئاسة الحكومة التي انتهى المسار الدستوري إلى تعيين الوزيرة ثم طلب إعفائها.
فهل يقدم نزار بركة توضيحات بشأن معايير ترشيح ماديحة خيير؟ وهل توضح فاطمة الزهراء المنصوري كيف مر التعيين قبل أن يصبح الإعفاء ضروريا بعد يومين؟ أم سيُطوى الملف بقرار الإعفاء من دون مساءلة سياسية واضحة عن أسباب هذا التعثر؟
محمد البودالي




