حكومة فاطمة الزهراء المنصوري.. وجوه جديدة في الواجهة ووجوه قديمة في مراكز القرار: هل تغيرت الحكومة فعلا؟

بقلم: عبد الحكيم العياط

لم يكن تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مجرد انتقال من رئيس حكومة إلى أخرى، ولا مجرد سابقة تاريخية بوصول امرأة إلى رئاسة الجهاز التنفيذي في المغرب، بل كشف عن مفارقة سياسية تستحق التأمل: كيف يمكن أن يتغير رأس الحكومة، وتتبدل بعض الحقائب الوزارية، بينما تستمر أسماء ووجوه سياسية راكمت حضورا طويلا داخل مراكز القرار؟ وهل يتعلق الأمر بتجديد حقيقي للنخبة الحاكمة، أم بإعادة ترتيب مواقعها ضمن توازنات سياسية ومؤسساتية قائمة؟
إن القراءة المتأنية للتشكيلة الحكومية التي أعلن عنها في 16 أكتوبر 2026 تكشف عن مزيج من الاستمرارية والتغيير. فقد احتفظ عبد الوافي لفتيت بوزارة الداخلية، وناصر بوريطة بوزارة الشؤون الخارجية، وعبد اللطيف وهبي بوزارة العدل، وأحمد التوفيق بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إلى جانب استمرار مسؤولين آخرين في مواقعهم. وفي المقابل، شهدت بعض القطاعات تغييرات، من بينها إسناد حقيبة الاقتصاد والمالية إلى فوزي لقجع، والتربية الوطنية إلى نبيل بنعبد الله .
ولا تكمن أهمية هذه المعطيات في مجرد رصد الأسماء التي غادرت الحكومة أو بقيت فيها، بل في ما تكشفه عن طبيعة إعادة تشكيل السلطة التنفيذية. فالتغيير الحكومي لا يعني بالضرورة القطيعة مع المرحلة السابقة، كما أن استمرار بعض المسؤولين لا يعني، في حد ذاته، غياب التجديد. المسألة الأساسية هي معرفة ما إذا كانت التغييرات التي طالت رئاسة الحكومة وبعض القطاعات ستفضي إلى مراجعة فعلية لأساليب التدبير وأولويات السياسات العمومية، أم ستظل محصورة في إعادة توزيع المسؤوليات داخل البنية السياسية نفسها.
ومن المنظور السياسي، لا يقاس تجديد النخب بعدد الوجوه الجديدة التي تظهر في الصورة الرسمية للحكومة، وإنما بمدى تغير قواعد إنتاج القرار، وآليات اختيار المسؤولين، وطبيعة العلاقة بين السلطة السياسية والمسؤولية العمومية. فقد تتغير الأسماء دون أن تتغير طريقة اشتغال المؤسسات، وقد يستمر مسؤولون في مناصبهم مع حدوث تحول حقيقي في السياسات التي يشرفون عليها. لذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس من بقي ومن غادر فحسب، بل ما الذي تغير في فلسفة الحكم وفي مضمون القرار العمومي.
ويكتسب استمرار عدد من الوجوه في مواقعها أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بقطاعات ترتبط مباشرة بتدبير الشؤون السيادية والاستراتيجية للدولة. فمن جهة، يمكن تفسير الاستمرارية باعتبارها حرصا على الحفاظ على الخبرة المؤسسية وتفادي الارتباك في الملفات التي تتطلب تراكما في العمل والتنسيق. ومن جهة أخرى، تطرح هذه الاستمرارية سؤال المسؤولية السياسية عن حصيلة المراحل السابقة، ومدى ارتباط تجديد الثقة في المسؤولين بتقييم موضوعي لأدائهم ونتائج السياسات التي أشرفوا عليها.
وهنا تحديدا تبرز إحدى الإشكاليات المركزية في تدبير الشأن العام: كيف يمكن الجمع بين استقرار المؤسسات وضرورة تجديد النخب؟ فالاستقرار شرط أساسي لاستمرارية الدولة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإغلاق المجال أمام تداول المسؤوليات أو لتأجيل تقييم السياسات العمومية. كما أن التغيير من أجل التغيير لا يمثل إصلاحا في حد ذاته، إذا لم يكن مبنيا على معايير واضحة للكفاءة والمحاسبة والقدرة على الإنجاز.
أما فاطمة الزهراء المنصوري، فإن توليها رئاسة الحكومة يضعها أمام معادلة سياسية دقيقة. فهي لا تقود فريقا حكوميا يبدأ من فراغ، بل تتولى مسؤولية قيادة جهاز تنفيذي يضم مسؤولين ذوي تجارب متفاوتة، وبعضهم راكم سنوات من الحضور داخل المؤسسات الحكومية. ومن ثم، فإن طبيعة قيادتها ستتحدد إلى حد كبير بقدرتها على ضمان الانسجام بين مكونات الحكومة، وتحديد الأولويات، وإرساء قواعد واضحة للمسؤولية، وليس فقط بقدرتها على تدبير التوازنات الحزبية التي أفضت إلى تشكيل الأغلبية.
ففي الأنظمة السياسية التي تتسم بتعدد مراكز التأثير وتداخل الاعتبارات الحزبية والمؤسساتية، لا تكفي الصفة الدستورية لرئيس الحكومة وحدها لفهم كيفية إنتاج القرار. إذ ينبغي التمييز بين المسؤولية السياسية عن البرنامج الحكومي، والاختصاصات الدستورية لمختلف المؤسسات، وآليات التنسيق التي تحدد فعليا مسار السياسات العمومية. ومن هذا المنطلق، فإن تقييم تجربة المنصوري يقتضي النظر إلى موقع رئاسة الحكومة داخل البنية المؤسساتية المغربية، وإلى قدرتها على ممارسة اختصاصاتها في قيادة العمل الحكومي وتنسيقه وتقييم نتائجه.
ولا يمكن كذلك فصل تشكيلة الحكومة عن طبيعة الأغلبية التي تستند إليها. فاجتماع أحزاب مختلفة المرجعيات والتجارب داخل ائتلاف واحد يفرض التوفيق بين أولويات حزبية متعددة وبين ضرورة إنتاج برنامج حكومي منسجم. لكن هذا التحدي لا يتعلق فقط بتوزيع الحقائب، بل بكيفية تحويل الاتفاق السياسي إلى التزامات واضحة، وتحديد المسؤوليات عن التنفيذ، وضمان ألا تصبح التوازنات داخل الأغلبية بديلا عن التقييم الموضوعي للأداء.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي أمام الحكومة الجديدة يتمثل في إثبات أن التغيير في القيادة يمكن أن ينتج تغييرا في طريقة التدبير، حتى في ظل استمرار عدد من المسؤولين. فالمواطن لا ينتظر بالضرورة تبديل جميع الوجوه بقدر ما ينتظر تحسنا في الخدمات العمومية، وفرصا أكبر للشغل، وعدالة مجالية أوسع، وفعالية في محاربة الاختلالات التي تؤثر على حياته اليومية. غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل رهينا بوضوح المسؤوليات، وشفافية القرار، وربط تدبير القطاعات الحكومية بنتائج قابلة للقياس والمحاسبة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة ليس استمرار بعض الوجوه في مواقعها، وإنما استمرار المشكلات نفسها رغم تغير القيادة والتشكيلة. ففي هذه الحالة، يصبح التغيير محدودا في مظهره، بينما تظل الأسئلة الجوهرية المتعلقة بفعالية الإدارة وجودة الخدمات والعدالة الاجتماعية قائمة. وعلى العكس من ذلك، يمكن لاستمرارية بعض المسؤولين أن تترافق مع تحول حقيقي إذا اقترنت بمراجعة الأولويات، وتطوير أساليب العمل، وتصحيح الاختلالات، وإخضاع السياسات العمومية لتقييم جدي.
لهذا، فإن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري تفتح نقاشا يتجاوز مسألة كونها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب. إنها تطرح سؤالا أعمق حول طبيعة تجديد النخب السياسية، وحدود التغيير داخل المؤسسات، والعلاقة بين الاستمرارية والمحاسبة. فالتجديد لا يتحقق بمجرد تغيير رئيس الحكومة أو استبدال بعض الوزراء، كما أن الاستمرارية لا تعني بالضرورة إعادة إنتاج الماضي؛ وإنما يتحدد الأمر بما إذا كانت قواعد العمل الحكومي نفسها ستعرف تحولا ملموسا.
في نهاية المطاف، لن يكون الامتحان الحقيقي لحكومة المنصوري في عدد الوجوه الجديدة التي تضمها، ولا في عدد الأسماء التي احتفظت بمواقعها، بل في قدرتها على تقديم إجابة عملية عن سؤال جوهري: هل نحن أمام إعادة ترتيب للتوازنات داخل النخبة السياسية، أم أمام بداية تحول في طريقة تدبير الشأن العام؟
ففي السياسة، قد تتغير الوجوه وتتبدل المواقع، لكن التغيير الحقيقي يبدأ عندما تتغير قواعد القرار، وتصبح المسؤولية مقرونة بالمحاسبة، وتتحول الوعود الحكومية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني