الحسين بوخرطة
لقد ارتأيت في بداية هذا المقال، لدوافع موضوعية، التأكيد على كون ذاكرة الشعوب العربية والمغاربية، بهويتها الثقافية، ليست مكونا منعزلا عن تطور المسارات السياسية التي عرفتها المنطقة. إنها في العمق تتويج لمراحل تاريخية عرفت تفاعلات سياسية، تارة تكون إيجابية تدفع في اتجاه التحديث، وتارة تتعرض للفرملة أو الدفع إلى الوراء. وعندما أتحدث في هذا الموضوع عن مصطلح “التفاعل” لا أريد من وراء ذلك حجم منطق الصراع الخاضع لمخططات القوى المجتمعية بدوافعه المختلفة، بل، على العكس، أسعى من خلال ذلك إشراك القارئ في جوابي على سؤال طبيعة هذه المخططات، لأقول له، أنه فعلا هناك جزء منها يعبر عن المسؤولية الإنسانية في الوساطة بين الشعوب والأنظمة السياسية (تغليب مصلحة الشعوب عن المصالح الفئوية)، ومنها ما يركز على التشخيص النفسي والاجتماعي والثقافي لهاته الشعوب، لا لشيء سوى للتمكن من بلورة خطابات تعبر بالدقة المتناهية عن اللغة المجتمعية الثقافية السائدة (المصطنعة) بدون استحضار أي هاجس أو ضرورة للتفكير في التأثير فيها لتأهيلها وتطويرها (التكيف الدقيق للخطاب السياسي لتوسيع المصالح الفئوية).
وعليه، وفي إطار ما حققه ويحققه المغرب من تحولات سياسية واقتصادية، ملموسة، ومتميزة بنوع من الاتصال والاسترسال والتراكم منذ بداية التسعينات، أرى أن هناك ثمة ضرورة لإعطاء الانطلاقة لمسلسل سياسي جديد يربط السياسة بالفكر والمعرفة، مسلسل يجب أن يجبر كل فاعل سياسي للتموقع في سياق الشعور الدائم بضرورة ربط كل ممارساته بالقضايا الحقيقية والواقعية للمجتمع المغربي نساء ورجالا (بدون مزايدات ولا نفاق).
فموازاة مع ما ألامسه من عزائم معلنة لدى المؤسسات المغربية، كنموذج إقليمي يقوده جلالة الملك محمد السادس في إطار دستور 2011، للمرور إلى مراحل تحديثية جديدة، ينتابني اندفاع قوي للكتابة في موضوع : “إعادة تفسير الإسلام ليكون متوافقا مع الحياة في العالم الحديث” بالشكل الذي يحقق المصالحة الواضحة والحقيقية للمغاربة مع التاريخ البشري وإنجازاته. فاحترام معتقد المغاربة، كواجب، لا يجب أن يسمح، حسب رأيي، باستمرار بلورة وتنفيذ خطط التغليط والتغرير، ولا بالتسويات المعقدة والغامضة. ما يحتاجه الوطن والمواطنين في هذه البلاد، الآمنة والمستقرة، هو تكثيف الجهود لخلق مشاعر جديدة، وممارسات بناءة ومنظمة، تحقق الصعود عوض النزول، جهود، تبني على المدى القريب، خطابا سياسيا جديدا بمدخل قانوني ومؤسساتي، وتؤسس، على المدى المتوسط والبعيد، لحضور قوي للتعليم والتربية في نمو المدن وتطور الصناعة والتكنولوجيات الحديثة للاتصال والإعلام والعيش المشترك (المدخل الثقافي لتوسيع الفعل السياسي في المجتمع وضمان نجاعته)، وبالتالي تمكين المواطن المغربي من القدرة على التقبل المستمر للأفكار السياسية، ومناقشتها بهدوء تام، والاستنفاع من مزاياها، ومن تم خلق القطيعة مع الاختلاف المرضي أو المقصود ما بين القول العلني والقناعات الشخصية.
ففي وضعنا الراهن، بمؤشراته الإيجابية وخصوصيته الإقليمية، فبقدر ما يمكن قبول “الكلام مع الحيطة” لدوافع سياسية، بقدر ما يجب أن تكون المؤسسات رادعة للمزايدات “السياسوية”. أقول هذا لأنني أعتبر أن عملية التحديث في السياق المغربي الراهن لا يجب أن تثير العنف، ولا يجب أن يرتكن المسلمون العقلانيون (الحداثيون) في أوضاع دفاعية. لقد قطع المجتمع المغربي خطوات كبيرة في مساره التحديثي (السياسي والثقافي والتكنولوجي)، خطوات نلمس من خلالها نوع من الانجذاب المجتمعي النفسي إلى الانفتاح والحوار والإيمان بالتطور ومكاسب التاريخ مبتعدا بذلك عن العنف بشقيه اللفظي والمادي.
وختاما نقول للعالم، في إطار الحرص المغربي على تقوية العلاقات المختلفة والمتنوعة ما بين الشمال والجنوب، أن بلادنا، علاقة بالقيم الحداثية، لم تتلق يوما صعقة كهربائية أيقظتها من سبات عميق (ثقافة تقليدية منغلقة واستبداد سياسي غير محتمل)، بل عاش أبناء هذا الوطن منذ مرحلة مقاومة الاستعمار صراعا سياسيا، كان عموديا وأفقيا لبعض الوقت، ثم تحول إلى صراع أفقي، تجرى أحداثه في المجتمع. وهنا أتفق تماما مع من يقول أن هذا الصراع طغت عليه المزايدات “السياسوية” بنفحات دينية وبدرجات متفاوتة، لكن أقول في نفس الموضوع أن هذا المنطق في التعامل السياسي مع المغاربة لا يمكن أن يستمر، حجتنا في ذلك وثيرته التنازلية التي تميزه اليوم كما وكيفا. تقديراتي لهذا الوضع، الذي أعتبره جديدا في بلادنا، تدفعني إلى الإفصاح بصوت مرتفع عن حاجة مغاربة اليوم، في إطار الدستور الجديد إلى تنافس البرامج ووضوح المرجعيات الفكرية للإيديولوجيات السياسية. وهنا أقول كذلك، لو كانت العولمة، منذ البداية (منذ سقوط جدار برلين)، متشبعة بالمنطق الإنساني، لقطع المغرب أشواطا بعيدة في مجال التقارب الثقافي مع الغرب، تقارب بصور أكثر عقلانية للتدين، وبصور تنويرية مرسخة في الحياة الثقافية للمجتمع.







