الإعدام وحقوق الإنسان في القانون الجنائي

د. محمد ناجي

 

منذ أن نشرت وزارة العدل والحريات مسودة مشروع القانون الجنائي المقترح؛ انبرت كثير من الهيئات والجمعيات الوطنية والمجتمع المدني للتعبير عن رفضها لهذا القانون، مبررة ذلك بكونه «يحمل في أحشائه مقتضيات غارقة في الماضوية، وغير ملائمة للمجتمع المغربي الحالي وللظرفية التي تم إخراجه فيها، خصوصا بعد التطور الذي أتت به مطالب 20 فبراير 2011 وما تلاها من مقتضيات دستورية و قانونية ومؤسساتية. إننا نعتبر هذا المشروع حلقة أخرى من حلقات الالتفاف على المطالب المشروعة للشعب المغربي و محاولة لتكميم أفواه المنادين بالمزيد من الديمقراطية واحترام حقوق الانسان في وطننا.» ـ كما جاء ذلك في العريضة المنشورة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإلكتروني .

ومن أهم ما ركز عليه الرافضون لهذا القانون هو إبقاؤه على عقوبة الإعدام ، حيث جاء في نفس العريضة :

« إننا نعتبر عقوبة الإعدام عقوبة لا إنسانية، يجب حذفها من القانون الجنائي لمغرب القرن 21 »

وبداية أقول بأن موقفي من هذا القانون ؛ والذي بنيته على قراءة عامة لفصوله ، ومقتضياتها ، هو موقف الرافض له ؛ ومن ثم فقد بادرت إلى التوقيع على تلك العريضة المنشورة على الفيس بوك ؛؛ وكنت قد شرعت في تحضير مواد مقال أو أكثر، أشرح فيها موقفي المستـقَى من قراءتي وفهمي لنصوص ذلك القانون، بعد أن تكونت لدي فكرة عنه ، يمكن أن أختزلها بأنه :  “قانون جنائي على المقاس” ؛ لأنه قانون مكرس للميز الطبقي ، جاء بعكس ما كان تنتظره منه الأمة، وهو التضييق على الفساد قدر الإمكان، والعمل على تقليص منافذ استغلال المنصب، ووضع العراقيل والأشواك في طريق الرشوة والانتهازية وغيرها ؛

ولم يكن يخطر ببالي أبدا أن أتطرق في أي من تلك المقالات ، مهما تعددت ، لتلك المسألة الخلافية العويصة بين المشرع المغربي ووزارة العدل والحريات من جهة ،، وبين الجمعيات والهئآت الحقوقية، وبعض الأحزاب السياسية، وأفراد من المجتمع المدني، من جهة أخرى؛؛ وهي قضية الإعدام، لأنني لم أكن أتبنى أي موقف في شأنها؛ وكنت أرى أن الحجج تكاد تكون متساوية بين الطرفين ؛ وذلك بحكم أن العالم نفسه لم يستقر على موقف قضائي موحد منها بعد؛ بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية التي تختلف القوانين فيها إزاءه بين عاملة به، وملغية له من ولاية إلى أخرى ..  حتى طلع هذا الخبر الفظيع في وسائل الإعلام عن تلك المرأة التي قتلت عمدا جارتها ؛ وهي أم في الأربعين من عمرها؛  وقطعت جسدها إربا ، لسبب تافه عادي يحدث بين الناس جميعا، فكان لابد لي أن آخذ موقفا من هذه المسألة ،  قد يعتبره البعض موقفا انفعاليا، اتخذته تأثرا بالخبر، ويرده بحجة أن الموقف الذي يتخذ في لحظة انفعال لا يكون قائما على بينة، أو مبنيا على أساس شرعي أو قانوني سليم، وأنه لا يكون قادرا على الصمود للنقد ؛ فأقول مع ذلك : لقد أوجزت رأيي ـ بصفتي مواطنا مغربيا عاديا يعنيه أمر القانون الجنائي، وليس بصفتي منظرا، ولا مشرعا، ولا داعيا ومستقطبا الناس إلى فكر أو مذهب أو تبني رأي؛ ولكنه حقي في التعبير عن موقفي الذي لا يستطيع أحد ـ مهما اختلفنا ـ أن يصادره مني .

رأيي في قضية الإعدام  أوجزته فيما يأتي :

يجب أن نفرق بين نوعين من القضايا المعروضة على المحكمة التي يمكن أن تحكم فيها بالإعدام ، أو بصيغة أوضح أقول : يجب أن نفرق بين إعدامين :

ــ الإعدام الذي قد يُـحكم به في قضايا سياسية، أو عقدية أو فكرية  . فهذا لا مشاحة في أن أي مفكر، أو حتى أي إنسان عادي متواضع الثقافة، منفتح على عصره،  يعارضه ويرفضه، ويطالب بإلغائه . ومن ثم فإذا كنت سأضم صوتي إلى أصوات المطالبين بإلغاء الحكم بالإعدام، فعلى أساس إلغائه في هذه الجرائم .

ــ والإعدام بسبب ارتكاب جرائم قـتـلٍ عمدٍ لأشخاص أبرياء.. فهذا النوع من الإعدام أنا معه ، وأؤيد الإبقاء عليه، وتنفيذه في ظرف وجيز .

غير أن هذا التأييد ليس مطلقا؛ بل هو عندي مقيد بشروط يُـتَـوخى منها أن تكون غاية في التشديد والحيطة ، والتأكد من اقتراف المحكوم عليه للجريمة المقدم من أجلها للمحاكمة، والتي يجب أن تتوفر له فيها جميع شروط المحاكمة العادلة، وأن تأخذ المحكمة وقتها الكافي في التحقيق، ثم تأخذ وقتها الكافي أيضا للتأمل واستبراء ذمة أي ظنين آخر، أو مشكوك فيه آخر، أو شريك آخر في الجريمة أو ما إلى ذلك ،  حتى لا تبقى ذرة من شك في ارتكاب المتهم لجريمة القتل العمد، عن ترصد وسبق إصرار.

والشرط الثاني : أن تكون مقرونة بجريمة أخرى يمكن أن أصطلح على تسميتها بــ ((جريمة ما بعد القتل )) ؛ وهي التي يكون فيها القتيل عرضة لجرائم أخرى يرتكبها الجاني في حقه حتى بعد موته، كتقطيعه إربا، أو التمثيل به ، أو تمزيق بطنه، أو تقطيع أحشائه، أو نزع بُـضْع من جسمه، ، أو إحراقه، أو إذابة جثته، أو إلقائه في بئر، أو في حفرة، أو في مزبلة، أو في نهر أو بحر ليلتهمه الحوت ، أو في مخزن حتى ينتن أو يتحلل .. أو أي نوع من الجريمة التي تتعرض لها جثة القتيل بعد قتله على يد قاتله، مهما كان السبب ..

فإذا توافرت هذه الشروط، فين تتجلى الإنسانية :

هل في إنزال عقوبة بالجاني؛ هي في جميع الحالات ، أخف من الجريمة التي اقترفها في حق ضحيته؟

أم تركه حيا يرزق، وتكليف أبناء ضحاياه وإرغامهم على أداء الضرائب للدولة لكي تطعم بها هذا القاتلَ في سجنه، وإذا مرض تحضر له الطبيب  ليعالجه ، ، وتمنحه الدواء بالمجان، وتهيئ له الملابس والفراش والأغطية، وتغيرها له كل فصل، وتهيئ له عيشا مرتاحا في سجنه، تتوفر فيه ـ حسب مطالب الدعاة لإلغاء عقوبة الإعدام مطلقا ـ الظروف الإنسانية المواتية، التي لا تحط بكرامة الإنسان ولا تهينه؛ فيأخذ حمامه كل يوم، ويتفرج على التلفاز، ويأكل الطعام الصحي الناضج المتكامل العناصر الغذائية، ويحلق شعره وشاربه، ويقوي عضلاته…

ياختصار ؛ فكأننا نقول لأبناء القتيل ، رجلا كان أو امرأة :

عليكم أن تساهموا بأموال ضرائبكم للإبقاء على حياة قاتل أمكم أو أبيكم أو فلذة كبدكم داخل سجنه في صحة جيدة وعيشة راضية رغم أنفكم، إلى أن يموت هو حتف أنفه.

هل هذا هو العدل؟ وهل هذه هي الإنسانية .

أين مشاعر أولئك الأطفال، وهم ينظرون إلى قاتل أمهم أو أبيهم، وقد حطم حياتهم، بينما هو ضَـمِـن حياته إلى أن يموت عن طيب خاطر، وضمنها على حساب أموال ضرائبهم؟

وحتى لا أطيل؛ حيث ليست هذه المقالة للتحليل والتوسع في هذه العقوبة ،  تاريخا، وتشريعا، ومقارنة قانونية، وإنما هي بداية لاقتناع بفكرة، قد أوجزتها في عجالة في تعليق لي ، عفوي، على خبر جريمة قتل شنيعة ، نشرته هذه الجريدة  قبل قليل، تحت عنوان : (تفاصيل قتل وتقطيع جثة امرأة من طرف جارتها بسبب الحقد والحسد بطنجة)  ، أنقله على علاته، لاشتماله على معظم العناصر التي أدت بي إلى هذه القناعة ، أرجو قبل قراءته الرجوع إلى قراءة الخبر أولا؛ (رابطه :

http://www.cawalisse.com/archive_old/71480/04/18/19/28

قلت في ذلك التعليق :

«إننا مهما بلغنا من التحضر والتقدم وحقوق الإنسان؛ فهل مثل هذه المجرمة، التي ارتكبت جريمة قتل عمدية عن ترصد وسبق إصرار، وأقرت بارتكابها لهذه الجريمة الشنعاء ، وقتلت أما، ويتمت أطفالها؛ وحرمتهم نعمة حنان الأمومة مدى الحياة، وغيرت مجرى  حياتهم تغيرا مطلقا ، ولابد أنهم سيعانون العناء الأمر من فقدان أمهم،، هل هذه القاتلة لا تستحق الإعدام ؟

ماذا نقول لأبناء تلك الأم المقتولة ؟

أنقول لهم : ليس من الإنسانية أن نحكم على من قتلت أمكم عمدا، ويتمتكم عمدا، وغيرت حياتكم عمدا.. ليس من الإنسانية أن نحكم عليها بالإعدام ، وعليكم أيها الأبناء عندما تكبرون أن تشتغلوا أو تتاجروا وتؤدوا الضرائب للدولة لتطعم بمداخيلها قاتلة أمكم في سجنها، ولتداويها إذا مرضت. عليكم أيها الأطفال الموتورون أن تساهموا في ميزانية السجون من أموال ضرائبكم لنطعم ونداوي ونكسوا قاتلة أمكم، وسائر القتلة الآخرين؟

أين الإنسانية هنا؟

وأين العدالة هنا؟

إن من يقول بوجوب الحكم على هذه المرأة بحكم غير الإعدام، هو من يصادر حق الناس في الحياة، ويحرم الضحايا من حيواتهم، ويقدمها قربانا للقتلة الذين يقلتون عن عمد وسبق إصرار، ويقرون بما فعلوا.

أنا أرفض أن تصرف الدولة من أموالي وضرائبى سنتيما واحدا على هذه القاتلة بعد صدور حكم عليها، كما أرفض أن تصرف على أي مجرم قاتل عن عمد وسبق إصرار ، وبدم بارد، يكون قد أقر بجنايته، وثبت قضائيا ارتكابه لها، باليقين المطلق الذي لم تعد تشوبه ذرة من الشك .

ثم إن هذه القاتلة، كغيرها كثير؛ لم تكتف بالقتل العمد؛ يل انتقلت من القتل إلى تشويه الجثة ومحاولة إخفاء الجريمة.

فأين الرحمة؟

وكيف لا نقدر مشاعر أولئك الأطفال الذين ستبقى صورة قاتلة أمهم تعذبهم مدى الحياة إذا لم تنل جزاء جريمتها بمثلها؟ «

[email protected]

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني