الانتخابات الجماعية بسيدي سليمان ومعضلة خنق حزب الوردة ب”أياد” متجبرة من داخل البيت الاتحادي
الحسين بوخرطة
كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في مقال سابق، الانتخابات الجماعية ما بعد الدستور الجديد، نتيجة لما عرفته من تقدم قانوني في مجال اللامركزية الترابية واللاتمركز الإداري، خلقت نوع من الترقب والمتابعة وطنيا وإقليميا ودوليا. فالتنصيص القانوني على إسناد مهام الآمر بالصرف للمنتخبين، وسن المراقبة “البعدية” المالية والإدارية على المستويين الجماعي والإقليمي والجهوي، والحرص التشريعي نسبيا على تضييق هوامش التلاعب في شراء الناخبين الكبار في محطة انتخاب الفرق المسيرة لهذه الجماعات الترابية (اعتماد جلسة قانونية واحدة ووحيدة لانتخاب الرؤساء وأعضاء مكاتب مجالس الجماعات الترابية علنيا)، واعتماد الانتخاب المباشر في تشكيل المجالس الجهوية، أبان عن الإرادة الواضحة للدولة للتقدم في مسلسل اللامركزية السياسية واللاتمركز الإداري.
ولكي لا نثقل على القارئ بتفاصيل قد تحجب المقصود من هذا المقال، نكتفي بهذا القدر في شأن أهمية أول انتخابات ترابية ما بعد مصادقة الشعب المغربي على دستور 2011، على أن نعود إلى أهم المكتسبات في القانون التنظيمي الجديد وبعض نواقصه في المستقبل القريب. وعليه، سنخصص ما تبقى منه للتطرق إلى بعض النقط التقييمية للعملية الانتخابية برمتها بمدينة سيدي سليمان لكوننا من سكانها منذ بداية السبعينات، ومن المهتمين، كمناضلين، بالتطورات السياسية التي عرفتها وتعرفها كمدينة صغيرة بنتها سلطة الحماية وكانت تنعت في بداية نشأتها بباريس الصغيرة. إن الدافع الأساسي الذي جعلنا نقرر التطرق للنقط أسفله هو كوننا كذلك، نظرا لمواكبتنا اليومية منذ عقود للوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي بهذه المدينة، والتي يسميها البعض تعسفا بعاصمة بني احسن بالرغم من التنوع القبلي لساكنتها، سمحنا لأنفسنا أن نجازف لأول مرة، غير مبالين بالعواقب، في مغامرة لعب دور “ميزان حرارة” لقياس طقس مشهدها السياسي وتطوراته وتقلباته في سياقات موصولة الأحداث منذ بداية الثمانينات (منذ أن كان عمرنا 15 سنة).
النقطة الأولى: لقد تميزت الانتخابات الجماعية الأخيرة بهذه المدينة (انتخابات يوم 4 شتنبر 2015) بضعف المشاركة حيث بلغ عدد الأصوات المعبر عنها 15821 فقط ليبقى عدد الأصوات التي حصلت عليها اللوائح المؤهلة 12887 فقط (بعد حذف أصوات اللوائح التي حصلت على أقل من 6 بالمائة). وهنا لا بد من الإشارة أن عدد الأسر بمدينة سيدي سليمان حسب الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014 يقدر ب 20725، ولو تسجل الأب والأم فقط على مستوى كل أسرة لبلغ عدد المسجلين 41450. ولو افترضنا أن كل أسرة تتضمن كمعدل ابنين على الأقل يفوق سنهما ثمانية عشر سنة (وقد يكون أكثر من ذلك)، فقد يراوح عدد المسجلين 82800 على الأقل، لنستخلص أن نسبة المشاركة المقاربة للصواب تبقى في حدود 19 بالمائة على الأكثر. وهذا يبين بجلاء تراجع دور الأحزاب السياسية في عملية تعبئة المواطنين، الشباب منهم على الخصوص، وتحفيزهم السياسي على المشاركة في المسلسل الديمقراطي الذي تعيشه بلادهم. كما تبين أن الوصول إلى هذه الفئات العازفة عن التسجيل وإقناعها بالمشاركة في التقدم الديمقراطي للبلاد لا يمكن تحقيقه ما لم تراجع الأحزاب السياسية الوطنية المنطق الذي اخترقها وتحكم في ممارستها السياسية منذ أكثر من عقد ونصف من الزمن، مراجعة نقدية تمكنها من العودة إلى إعادة بناء التنظيمات القوية القادرة على إنتاج النخب من المستوى الوطني إلى مستوى نحب القرب في الأحياء والدواوير مرورا بالنخب الجهوية والإقليمية والمحلية مع تقوية التواصل والتآزر (ولما لا المحبة) فيما بينها. إن التخلي على المساطر وضعف الحس النضالي والروح الوطنية الصادقة حول الأحزاب إلى هياكل مرهونة بالكامل لنخب تقليدية لا ترى في العمل السياسي إلا مصالحها الذاتية.
النقطة الثانية: لقد عرفت الساحة السليمانية تراجعا كبيرا لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحزب الذي نتحسر على مصيره كحزب وطني تاريخي ساهم في إنقاذ البلاد من الإفلاس، وفي استقرارها السياسي، وفي انتقال العرش بسلاسة ما بين عهدين بعدما تم الكشف مبكرا على مخططات إدريس البصري وخنق كل مناوراته (المرجع: كتاب “الحسن الثاني الملك المظلوم” للصحافي مصطفى العلوي، وكتاب “عبد الرحمان اليوسفي والتناوب “المجهض”” للصحافي محمد الطائع). وهنا ارتأينا لا بد أن نضع القارئ والمتتبع في الصورة الحقيقية لمآل هذا الحزب بهذه المدينة الاتحادية “القلب” (ولعل واقعه يكون نموذجا لا يختلف كثيرا عن عدد من النماذج المحلية على الصعيد الوطني). بدون أن نعود إلى سنة 1992، وانزلاقات 1997، سنكتفي بالنهضة الحزبية التي انطلقت ابتداء من سنة 2002، عقب إعطاء الانطلاقة لمرحلة جديدة للعمل السياسي الجاد، وإعطاء المصداقية اللازمة لعمليتي الانفتاح والاستقطاب الكبيرتين اللتان عرفهما الحزب ابتداء من سنة 2000 تقريبا. في هذه الانتخابات كانت الشبيبة الاتحادية بالمدينة من أقوى “الشبيبات” السابقة بامتياز، ومن أقوى الشبيبات محليا وإقليميا، حيث كان كاتبها هو محمد الخيتر (وهو اليوم رئيس مصلحة بوازرة التربية والتعليم بأكاديمية الرباط)، وكنت أنا أمينها (مهندس الدولة بعمالة إقليم سيدي قاسم قبل أن يتم نقلي إلى عمالة إقليم سيدي سليمان)، وكان مقررها عبد اللطيف الورديغي (مهندس وحاصل على دبلوم الدراسات العليا في علوم الإدارة قرر الخروج من الوظيفة العمومية بعد طلبه للتقاعد النسبي). فبفضل هؤلاء الأطر الثلاثة، ومستوى ومنطق تواصلهم مع خيرة شباب المدينة، وتضحياتهم المالية والمعنوية في المجالين السياسي والجمعوي، تمكن الحزب من الحصول على أكثر من 29000 صوت في الدائرة الانتخابية البرلمانية (ليحصل صاحب المرتبة الثانية على ما يقارب 9000 صوت، وصاحب المرتبة الثالثة على ما يقارب 5300)، أما عدد الأصوات المحصل عليها بمدينة سيدي سليمان فتجاوز 7500 صوت. لقد فاز الحزب بكل الدوائر الانتخابية، المعروفة في المجال الحضري قبل اعتماد نظام اللائحة، ما عدا الدائرتين 18 (المكلف بها مصطفى الشفق) ودائرة القرية أي الدائرة 4 على ما أعتقد (المكلف بها قاسم الصغير). ونتيجة لهذه الدينامية والمردودية الشبابية التنظيمية، التي زرعت الرعب في قلوب المستفيدين ورواد المصالح، تم الانقلاب على هذه التجربة النضالية الرائعة حيث استعملت الآلة التنظيمية التعسفية بكل هياكلها الوطنية والإقليمية من أجل قمع هؤلاء الشباب وتشتيت صفوفهم. وبالفعل، منذ ذلك التاريخ، ساد الاستبداد التنظيمي ليحل محل الديمقراطية الداخلية، وساد نفس المنطق في إنتاج النخب حيث دبرت عملية اختراق الحزب من الخارج، وساد منذ ذلك الحين منطق خنق العمل الحزبي الجاد. لقد اتخذت القرارات التعسفية الواحدة تلو الأخرى لخلق الملل في نفوس الشباب، وبالتالي تسهيل عملية إسناد قرار الحسم في ترتيب اللوائح الخاصة بالانتخابات الجماعية للمسمى “ق. الم. مول الصويتات” بشكل شخصي، لا يشاركه في ذلك إلا من نصبه بالقوة التعسفية في هذا المقام (للتذكير فقط لقد تعرض هذا الرجل للطرد من الحزب مباشرة قبل انتخابات 1997). لقد أعطيت له كل الضمانات الحزبية لقبول اللوائح التي يقوم بإعدادها في منزله ويقترحها على الأجهزة الحزبية المركزية، حيث لا يجد أدنى صعوبة في تقديمها للسلطة المحلية بعد إرسالها إلى المكتب السياسي عبر الفاكس. فمنذ تلك الفترة (بعد الانتخابات البرلمانية لسنة 2002)، فوضت القيادة الحزبية مصير حزب الوردة إلى هذا الرجل، وساد منذ ذلك الحين الاستبداد التنظيمي الذي لم يترك أي هامش للفاعلين الحزبيين لتعبئة واستقطاب النخب الشابة وتأطيرها سياسيا. إن هذا التفويض كان بمثابة إعطاء الانطلاقة لمسلسل “خصخصة” أو “تمليك” أو “رهن” أو “كراء” حزب الوردة محليا لهذا الشخص، الشيء الذي كانت نتائجه الطبيعية حدوث التراجعات على مستوى الأنشطة والنتائج على السواء. هكذا، لم يحصل الحزب بالمدينة إلا على ما يقارب 2000 صوت فقط في الانتخابات البرلمانية لسنة 2007، ثم تراجع هذا العدد إلى يقارب 1800 في الانتخابات الجماعية لسنة 2009، ليحصل الحزب في الانتخابات الأخيرة على 1270 صوت فقط. وهنا لا بد من الإشارة أن ذلك الجيل الذي تحمل الحصار بكل أشكاله منذ سنة 2003، لم يبق له أي هامش للتحرك في العمل الحزبي التنظيمي المحلي والإقليمي والجهوي، واكتفى أغلبهم، إضافة إلى التركيز على مجال الكتابة والثقافة، بالقيام ببعض المبادرات في إطار المجتمع المدني (سأعود في مقالات لاحقة للوقوف على المكائد، الواحدة تلو الأخرى، التي تحملها هذا الجيل بالمدينة منذ تاريخ النهضة الحزبية).
النقطة الثالثة: إن عملية اختراق حزب القوات الشعبية السالفة الذكر جعلته في نهاية المطاف يتوفر على فروع في العالم القروي ومجالس قروية تابعة له بالاسم فقط. عملية الاختراق هاته جعل التصويت على رؤساء المجالس يتم باسم الوردة، والتصويت في مجلس المستشارين يكون لصالح رمز آخر. عاش الحزب هذه المحنة، حيث تم الاعتماد على هاته النخب المخترقة للسيطرة على التنظيم الحزبي بتواطؤ مع بعض النخب الميالة للصفقات السياسية على المستويين الجهوي إلى الإقليمي ووصولا إلى المحلي. لقد اعتبر رواد “الخنق” أن دينامية حزب الوردة محليا، نتيجة لنهضته التنظيمية ابتداء من سنة 2000، بمثابة خطر قد يشكل لهم حجرة عثرة أمام طموحاتهم الرامية إلى الحفاظ على سيطرتهم ومواقعهم ومراكز عائلاتهم السياسية. بكل صراحة، وحسرة كذلك، لا يمكن أن لا نقر اليوم أنهم نجحوا في مهمتهم، بل تمكنوا حتى من استقطاب من حرر التقرير المحلي والإقليمي المعروف ووزعه على المكتب السياسي واحدا واحدا، واستقطبوا كذلك أحد الكتاب الذي ألف كتابا تحت عنوان مثير….. الأخطر من ذلك، بعدما تم القضاء نهائيا على الروح النضالية، وبعد تنظيم المؤتمر التاسع للحزب، أعطيت الأوامر للمخترقين للعودة إلى بيتهم الأصلي لكي لا يتم الاصطدام مع المكتب السياسي الجديد، وبقي المستقطبون والمتواطئون، الخانقون لأنفاس الحزب، يحتكرون “طابع” الحزب إلى أن تم تكليف “مول الصويتات” مرة أخرى بإعداد لائحته في منزله رافضا أي تدخل في الموضوع (لقد جرت بيننا وبين إدريس لشكر مكالمة هاتفية في هذا الشأن، وقامت فتيحة سداس عضوة المكتب السياسي بزيارات متعددة إلى بيت المشروحي قدور في نفس الموضوع).
النقطة الرابعة: لقد تمكن أحد الشباب بالمدينة، اسمه هشام الحمداني، من إحداث الارتباك في مخططات الطامحين في السيطرة على الحياة السياسية المحلية بالتنظيمات الحزبية الضعيفة التي أنهكوا قوتها وحولوها إلى أجهزة بروح سياسية تحتضر. لقد مكن هذا الشاب، الذي برز على الساحة السياسية بالمدينة بشكل مفاجئ في الانتخابات الجماعية لسنة 2009، الساكنة من تجاوز روتين التناوب المستبد حزبيا على رئاسة المجلس البلدي ما بين الشخصين المعروفين محليا، وهما “مول الصويتات” المذكور أعلاه، الخانق لإرادات الشباب بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والمسيطر لعقود على حزب الاستقلال (هذا الأخير لم يرد اسمه حزبيا في الانتخابات الجماعية الأخيرة وحزبه لم يتجاوز العتبة). كما تمكن بحنكة سياسية عالية من تحرير المدينة من محاولات رواد الاختراق ومنعهم من السيطرة من جديد على المشهد السياسي المحلي بعدما كان مخططهم الانقضاض على مصادر القرار السياسي المحلي والاقليمي بعد إضعاف الحزبين الوطنيين الاتحاد والاستقلال. وهنا لا بد من الإشارة أنني لا أتحدث في هذا المقام عن تقييم للسياسة الحضرية لهؤلاء الرؤساء بشقيها التدبيري والتخطيطي (هذا موضوع آخر لا يسع هنا القيام بتفصيله)، بقدر ما أركز عن الرجات السياسية التي زعزعت المواقع السياسية المستبدة بالمدينة. فانطلاقا من سنة 2009، عرف المشهد السياسي المحلي تطورات جديدة أصبح يعتبرها المتتبعون اليوم، بعدما كونوا في شأنها فكرة سلبية فيما سبق، وكأنها كانت وستكون في مصلحة الساكنة ومستقبلها. لقد تم عزل هذا الشاب من طرف وزارة الداخلية بسبب ما راج من هفوات تدبيرية وسلوكية ارتبطت بقيادته لتدبير الشؤون الترابية المحلية، ليعود بعزيمة أكبر بعدما ذاع محليا خبر صدور أحكام قضائية لصالحه ومنصفة له (وهنا نستبعد ما يشاع في شأن كون كل ما وقع له مجرد إستراتيجية لإرجاعه بالقوة السياسية اللازمة إلى المدينة). ومباشرة بعد حصوله في الانتخابات الأخيرة (2015) على الرتبة الثالثة باسم حزب السنبلة (ب1757 صوت) بعد حزبي الاتحاد الدستوري والعدالة والتنمية، تمكن في الآجال القانونية من تشكيل أغلبية مع الأحزاب المشاركة في الحكومة (العدالة والتنمية، التقدم والاشتراكية) بدعم من حزب الشورى والاستقلال، حيث توج الاتفاق بإصدار بلاغ للرأي العام تم توزيعه على الساكنة بشوارع المدينة، بلاغ بقي مضمونه صحيحا إلى أن تم انتخاب الحفياني عن حزب المصباح رئيسا للمدينة في جو مضطرب وكارثي ميز الجلسة المخصصة (وهنا كذلك نستبعد أن يكون ترأس حزب العدالة والتنمية لمجلس المدينة مجرد سيناريو محبوك شارك في إعداده المهندسين الكبار). فبالرغم من مساهمته القوية في خلق التحولات السياسية بالمدينة، فقد ارتبط اسمه بمزاجية الانتقال من حزب إلى آخر في فترة انتدابية واحدة وكأنه لم يجد في هاته الأحزاب ما سيمكنه من تحقيق أهدافه وطموحاته: حزب الصنبور في البداية، حزب التقدم والاشتراكية، حزب الأصالة والمعاصرة، حزب الاستقلال، حزب الأحرار، حزب السنبلة. أكثر من ذلك، لقد شكل نقابة بعدد كبير من المنخرطين (المنظمة الديمقراطية للشغل)، وقرر الترشيح للانتخابات البرلمانية السابقة بحزب الكتاب قبل أن يغير رأيه في آخر لحظة ليترشح باسم “التراكتور”، الشيء الذي اضطر من خلاله إسماعيل العلوي إلى تقديم ترشيحه للحفاظ على أصوات حزبه، وقطع الطريق على الحمداني وحرمانه من الوصول إليها بعد التعرف على مواقع قوة الحزب القروية على الخصوص (لقد راج في المدينة أن هذا الشاب كان بإمكانه الظفر بالمقعد لو لم يغادر سفينة الكتاب). أما حزب الاستقلال، بعدما غادر وزراءه في الصحة والتشغيل الحكومة، غادر فريق كبير فرعه المحلي في المدينة بقيادة المندوب الإقليمي للصحة بسيدي سليمان وأحد مفتشي الشغل (الذي توظف عندما كان عباس الفاسي وزيرا للشغل في حكومة عبد الرحمان اليوسفي) والتحق بحزب التقدم والاشتراكية. وكرد فعل على هذا “الهجوم” المفاجئ على مقر حزب الكتاب (حصلت هذه اللائحة على خمسة مقاعد)، قام أحد الصيادلة، وهو مسؤول حزبي، وعدد من التابعين له، بمغادرة حزب الكتاب ليلتحقوا بدورهم بحزب الميزان حيث لم يتمكن هذا الأخير من تجاوز العتبة.
النقطة الخامسة: بعدما تهاوى سياسيا الشخص “مول الصويتات”، الذي لم تتمكن لائحته من تجاوز العتبة حسب ما يتردد في الشارع إلا ب”الطليب والرغيب” و”الزاويك” باستعطاف أمغار سوس، لم يجد من وسيلة للنيل من السير العادي للجلسة المخصصة لانتخاب الرئيس ومكتب المجلس البلدي سوى العرقلة المقصودة لعمل المؤسسات. لقد تم اختياره رئيسا لهاته الجلسة لكونه الأكبر سنا من ضمن المنتخبين غير الطامحين في الترشيح للرئاسة (وهذا الاختيار هو تشريف له ولسنه)، ولم يجد من مكيدة للنيل من المجهودات التشريعية لمحاربة الفساد في محطة انتخاب الرؤساء (جلسة واحدة ووحيدة لا يمكن تأجيلها إذا ما انطلقت أشغالها، ويجب أن تتوج بانتخاب الرئيس بالتصويت العلني وانتخاب مكتب المجلس باللائحة وبنفس طريقة التصويت وكذا كاتب المجلس). الغرابة في مكيدة هذا الشخص تتجلى في كونها ذات طابع انتقامي واعتبرها البعض عمل “مستأجر”. فمنذ الاستقلال (استحضار التاريخ)، وفي عدد كبير من دول العالم (استحضار الجغرافيا)، يتم تعيين الأكبر سنا بشكل عادي لرئاسة جلسات انتخاب الرؤساء والمكاتب في البرلمانات والجماعات الترابية المختلفة، ولم نسمع أبدا أن أحد المعينين المكلفين بهذا المهام المؤسساتية قد تجرأ، بنية مقصودة وبغايات معلومة، لرفع الجلسة ومغادرتها بعد انطلاق أشغالها. لقد غادر الجلسة وهو يعلم أن المشرع، نظرا لاستبعاده لهذا النوع من السلوك في صفوف المنتخبين، قد سن جلسة واحدة غير قابلة للتأجيل بعد انطلاقها بحضور النصاب القانوني، ولم يتطرق لمسألة التعويض في القيام بهذا المهام في حالة انسحاب رئيس الجلسة (لقد راج بعد الجلسة أن الفريق المناوئ للتحالف رفض تطبيق منشور وزاري في هذا الشأن). إنها المرة الأولى في التاريخ السياسي المغربي، وحتى على الصعيد العالمي، يتم حدوث مثل هذا السلوك غير المفهوم. لقد تعمد هذا الرجل عرقلة العمل المؤسساتي في لحظة حساسة جدا، لحظة لا يمكن لأحد أن يفكر في افتراض حدوث هذا النوع من الانتقام والعرقلة المقصودة لتطبيق القانون. لقد تسبب انسحابه في تجميد هذه الجلسة من 9 صباحا إلى ما بعد منتصف الليل، ليشاع التساؤل في الأوساط الشعبية عن مقاصد هذا الرجل في تطويل هذه الجلسة لأكثر من 15 ساعة إلى أن توصل، على ما يروج، باشا المدينة بالحل المناسب لهذه المعضلة من الدوائر العليا. إن عدم تقبله الهزيمة بشكل ديمقراطي والبهدلة التي أسقط نفسه فيها، وهو في مرحلة الشيخوخة، أبرزت بالملموس سؤال مشروعية انتماء هذا الرجل إلى حزب ديمقراطي حداثي طالب بالملكية البرلمانية في السبعينات. كما استغرب الرأي العام، لردود أفعال بعض النخب، التي كتب لها أن تنتخب بمشقة الأنفس وبدعم أصحاب “الشكاير”، وهي نخب محترمة نظرا لتاريخها الثقافي والنضالي. إنها ردود فعل تبين مدى ارتباطها بالذات، ردود دافعت باستماتة على هذا التصرف الذي اعتبره الرأي العام “صبياني” وغير مسؤول.
في الأخير، ليس في وسعنا إلا أن نذكر كافة الفاعلين والفعاليات بمدينة سيدي سليمان أن المغرب يتغير، وأنه لم يعد هناك مجال لتكرار مثل هذه التصرفات، سواء كانت مقاصدها مصلحية نفعية أو ابتزازية أو انتقامية، وأن هناك أصوات كثيرة لا يمكن شرائها، وأخرى عازفة عن التسجيل في اللوائح الانتخابية (وعددها كبير)، وأخرى عازفة عن الإدلاء بأصواتها بسبب هذا النوع من التصرفات والسلوك. لقد نجح منتخبان عن لائحة “الجمل” التي ساندت التحالف الحكومي محليا، وذاع في المجتمع السليماني أن أحدهم رد على محاولات التغرير به بما يلي: “لقد أعطيت “الكلمة” ولن أغير موقفي ولو بمئات الملايين”. فإذا كان مخزن ما قبل 1998 يقوم ببناء الجدران لستر وإخفاء مساكن القصدير والسكن العشوائي على جنبات السكك الحديدية والطرق الرئيسية، فإن الدولة اليوم لا تعبر عن أي حرج في شأن هذا النوع من السكن غير اللائق، بل أصبح همها هو تشخيصه واتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاربته. فإذا كان في السابق يعاقب من يخرج عن منطق “العام زين” في تصريحاته ومبادراته، أصبحت الدولة اليوم تعاقب من يكذب عليها وعلى الشعب المغربي ويخون المسؤولية التي شرفته بها.
أما الحل في نظرنا، بخصوص ما ارتبط بنتائج الانتخابات الجماعية بسيدي سليمان كنموذج مليء بالدروس والعبر، فإننا ندعوا الأحزاب السياسية الوطنية، التي تضررت كثيرا وتراجعت مكانتها السياسية، إلى العودة إلى المقرات وبناء التنظيمات واحترام المساطر بعيدا عن منطق الزبونية الحزبية ورهانات المؤتمرات الوطنية. فإذا كان من واجبنا تهنئة حزب العدالة والتنمية بمدينة سيدي سليمان (تهنئة مستحقة نظرا لجودة تدبيرها لعملية الانتخابية المحلية)، وتهنئة المنتخبين الشباب الذين كانوا وراء تثبيت التحالف السالف الذكر، نجد أنفسنا كذلك في الحاجة إلى مطالبتهم لتقبل الانتقادات، والانفتاح على الاقتراحات الجادة، والتعاون مع السلطات الإقليمية والمصالح الحكومية، وتحقيق التميز في مجال التقائية الفاعلين للرفع من مردودية السياسات المحلية، وبالتالي تمكين المواطن السليماني من الاستفادة من خيرات مدينته ومحيطها الإقليمي والجهوي ومن حقه في الملك العمومي وفضاءات الأطفال والشباب. لقد تتبعنا كيف أن التحالفات تتجاوز الاعتبارات الضيقة عندما نكون أمام نخب ذات وزن ثقيل كعبد الحميد جماهري في جهة الدار البيضاء الكبرى. ونتمنى في الأخير للمهندسين السياسيين الجدد في المغرب النافع (جهة الرباط-القنيطرة وجهة الدار البيضاء) استغلال سلطهم الشرعية من أجل أن يجعلوا من هذا المستوى الترابي الاستراتيجي آلية داعمة للتنمية في باقي جهات المملكة في إطار التضامن والتآزر والتخطيط المشترك ما بين الجهات.
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



